قال في (المُطَوَّلْ) - هذا مِمَّا يُسأل عنه:"وأمَّا قوله تعالى: (( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا ) ) [مريم:62] فيحتمل أن يكون من الضرب الأول"يعني: صفة مدحٍ مَنْفيَّة، ثُمَّ جاء الاستثناء، فيحتمل أن يكون من الضَّرْب الأول بأن يُقدَّر السَّلام داخلًا في اللَّغْو .. يُقدَّر في العقل .. افتراضًا فقط، كما قَدَّرْنَا هناك: (غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُم) داخلةٌ في العيب من قبيل الفرض فقط.
بأن يُقدَّر السَّلام داخلًا في اللَّغْوِ فيُفِيد التَّأكِيد من وجهين:
-دَعْوَى الشيء ببيِّنَة، وكونه مُتِّصَلًا، يعني: الاستثناء.
-وأن يكون من الضَّرْب الثاني، بألا يُقدَّرَ ذلك، ويُجْعَل الاستثناء من أصله مُنْقَطعًا: (( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا ) ) [مريم:62] السلام ليس من جنس اللغو، لكن إن قَدَّرنَاه على سبيل الفرض صار من الضَّرْب الأول، إن لم نُقدِّره وجعلنا الاستثناء مُنقطعًا ابتداءً، حِينئذٍ جعلنا السلام مُنفكًا عن اللَّغو فليس من جنسه.
إذًا: يَحتمِل هذا النَّص القُرآني الضَّربين، وثَمَّ وجهٌ ثالث .. يحتمل وجهًا ثالثًا: وهو أن يُجعَل الاستثناء مُتَّصِلًا حقيقة، لأنَّ معنى السلام: الدعاء بالسلامة، وأهل الجنة أغنياء عن ذلك، ليسوا بحاجة للدعاء بالسلام، فكان ظاهره من قبيل اللغو وفضول الكلام لولا ما فيه من فائدة الإكرام، (سَلامًا) السلام هذا من جهة اللفظ من باب التكريم، فَكأنَّه قيل: لا يسمعون لغوًا إلا هذا القول من اللَّغْو، يعني: كأنَّه لا يَتَرتَّب عليه فائدة إلا من جهة اللفظ.
على كُلٍّ: الأول والثاني أوجه.
وأمَّا قوله تعالى: (( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا ) ) [الواقعة: 25 - 26] (لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا) ، الآية السابقة اللغو فقط، وهنا التأكيد، زاد مع ما سبق، فيُمْكِن حمله على كُلٍّ من الضَّرْبيْن الأول والثاني، ولا يُمْكِن حمله على الوجه الثالث، وهو حقيقة الاستثناء المُتَّصِل، لأنَّ قولهم: (سَلامًا) وإن أمْكَنَ جَعلُه من قبيل اللَّغْو على سبيل الفرض فقط .. عقلًا، لكن لا يُمكن جعله من قبيل التأثيم، وهو النِّسبَة إلى الإثْم.
وليس لك في الكلام أن تذكر مُتَعدِّدَين، ثُمَّ تأتي بالاستثناء المُتَّصِل من الأول، إذًا: لا يُمكن حمله على الاستثناء الحقيقي، فلا يكون قوله: (( سَلامًا سَلامًا ) ) [الواقعة:26] مُستثنَىً من قوله: (( تَأْثِيمًا ) ) [الواقعة:25] ، وإنْ صَحَّ على الوجه السابق في الآية السابقة، أن يُجعَل السلام من اللَّغْو، قد يُقَال: بأنَّه استثناءٌ من الأول .. اللَّغْو دون الثاني التأثيم، نقول: إذا ذُكِرَ مُتَعدِّدَان ثُمَّ جاء الاستثناء يكون راجعًا إلى الاثنين، وليس لك في الكلام أن تذكر مُتَعدِّدَين ثُمَّ تأتي بالاستثناء المُتَّصِل من الأول، يعني: مُمْتنع في كلام العرب.
إذًا: هذا ما يَتَعلَّق بتأكيد المدح بِما يُشبِه الذَّمَّ.