(كَالعَكْسِ) وهذا النوع الثاني في هذا البيت، أي: عكس تأكيد المدح بِما يُشبِه الذَّم، وهو تأكيد الذَّم بِما يُشبِه المدح، يعني: المدح يُؤكَّد بما يُشبِه الذَّم، كذلك الذَّم يُؤكَّد بِما يُشبِه المدح، (كَالعَكْسِ) يعني: كخلافه، المرابد بـ: (العَكْسِ) هنا: العكس اللغوي.
ومن المعنوي: تأكيد الذَّمِّ بْما يُشبِه المدح، وهو مراده بالعكس، وهو ضربان:
أحدهما وهو الأفضل: أن يُستثنَى من صفة مدحٍ مَنفيَّةٍ عن الشيء صفة ذَمٍّ، يعني: لذلك الشيء، بتقدير دخولها فيها، يعني: دخول صفة الذَّمِّ في صفة المدح المُتَقدِّمة، على سبيل الفرض والتقدير كما سبق، مثال كقولهم: فلان لا خير فيه، انظر! (خير) هذه صفة مدح.
أن يُستثنَى من صفة مدحٍ مَنفيَّةٍ .. هناك: صفة ذَمٍّ مَنفيَّة لا عيب فيها، (عيب) هذا نقص .. (ذَمٍّ مَنفيَّة) ، هنا: الخير صفة مدح، لَكنَّها مَنفيَّة.
أن يُستثنَى من صفة مدحٍ مَنفيَّةٍ: فلان - عن الشيء .. هذا الشيء - إلا أنَّه يُسيء إلى من أحسن إليه، الإساءة إلى من أحسن، هل هي خير؟! إذًا: كيف استثنى هنا؟ استثنى على تقدير دخلوها فيما سبق، يعني: كما قيل في الضَّرْب الأول من النوع السابق.
وَمَثَّلَه السِّيُوطِي في (العقود) بقوله:
.. . . . . . . . مَا فِيهِ هُدَىً ... إلا عَمًَا عَنْ الطَّرِيقِ المُقْتَدَر
وهذا كالأوَّل في إفادة تأكيد الذَّمِّ من وجهين، وفي تقدير اتِّصَاله بغير ذلك، يعني يُعامل قوله: فلانٌ لا خير فيه إلا أنَّه يُسِيء إلى من أحسن إليه، النَّظَر فيه كالنَّظَر إلى قول الشاعر:
وَلا عَيبَ فِيهِم غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُم .. إلى آخره.
إذْ التأكيد في الضَّرْب الأول من جهة التَّعلِيق بالمُحَال، لأنَّ المعنى في قولك: فلانٌ لا خير فيه .. إلى آخره، إن كانت الإساءة المذكورة: (إلى من أحسن إليه) خيرًا، فأثبت شيئًا منه على تقدير كونها منه، وكونها منه مُحَال، يعني قَدَّرْنا: فلانٌ لا خير فيه، إلا أنَّه يُسِيء إلى من أحسن إليه، فإذا كانت الإساءة إلى من أحسن إليه خير، فهي داخلةٌ فيما سبق، لَكنَّها على جهة التقدير.
وكونها خير مُحال، إذًا: يكون من باب تعليق المُحَال بالمُحَال، فذكر الشيء بِبيِّنَةٍ كما سبق، وكونها منه، يعني: من الخير مُحالٌ، فإثبات الشيء من الخير مُحال، ومن جهة أنَّ الأصل في الاستثناء الاتِّصَال فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شيءٍ مِمَّا قبلها، لأنَّه إذا قال: فلانٌ لا خير فيه إلا .. حِينئذٍ أوهم أنَّه سيستثني صِفة مدحٍ، ولَكنَّه أكَّدَ الذَّمَّ السابق: (لا خير فيه) بِما يُشبِه المدح، وهو في حقيقته ذَمٌّ.
فذكر أداته قبل ذِكْرِ ما بعدها يُوهِم إخراج شيءٍ مِمَّا قبلها، فإذا وليها صِفةُ ذَمٍّ، جاء التأكيد لِمَا فيه من الذَّمِّ على الذَّم، والإشعار بأنَّه لم يَجِد صفة مدحٍ يستثنيها، فَاضْطُرَّ إلى استثناء صِفة ذَمٍّ، وتحول الاستثناء إلى الانقطاع - هذا هو المشهور -.
وفي المرشدي:"وليس وجود الاستثناء شرطًا في تَحقُّقِ مَاهيَّة هذا النَّوع، وإنَّمَا هو من جُملة صُور تَحقُّقِه"فلذلك مَثَّلَ له القُطْب العَلاَّمَة في: (شرح المفتاح) بقول الشاعر: