إذًا: التواطؤ .. تواطؤ الفاصلتين، والتواطؤ هو التوافق، والفاصلتين: تثنية فاصلة، وهي الكلمة الأخيرة من الفقرة، سميت بذلك، لأنها ينفصل عندها الكلامان، وهذا التواطؤ والتوافق إنما يكون في ختم كلٍ من الفاصلتين بحرفٍ واحدٍ بالنوع، يعني: ما كان خاتمته راء يكون كذلك خاتمته راء: (( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) ) [الضحى: 9 - 10] راء وراء، هذا يسمى سجعًا، وكذلك: (( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) ) [الضحى: 9] تقهر: هذا هو الفاصلة، وتنهر: هو الفاصلة، إذًا: توافق الفاصلتين وتواطؤ الفاصلتين من النثر على حرفٍ واحدٍ، هذه مختومةٌ براء، وهذه مختومةٌ براء.
قال الناظم:
والسجْعُ في فواصلٍ في النّثرِ مُشْبِهةٍ قافيةً في الشِّعْرِ
هذا عرَّفه بما ظاهره أنه موافقٌ لقول السكاكي:"الأسجاع في النثر كالقوافي في الشعر".
والسجْعُ في فواصلٍ، السجع: مبتدأ، وفي فواصلٍ: متعلقٌ بمحذوف خبر، فواصلٍ .. فواصلة .. مفاعل، الأصل فيه أنه ممنوعٌ من الصرف، كمساجد فواصل كمساجد، وإنما صرفه هنا للوزن:
وَجَائِزٌ فِي صَنْعَةِ الشِّعْرِ الصَّلِفْ أَنْ يَصْرِفَ الشَّاعِرُ مَا لاَ يَنْصَرِفْ
وهذا منه، في فواصلٍ .. في فواصلَ، إذًا: السجع: مبتدأ، وخبره في فواصلٍ بالصرف للضرورة.
وفي النّثرِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لفواصل، وعلى القول بأن الفواصل لا تكون إلا في النثر حينئذٍ تكون هذه الصفة كاشفة .. صفةٌ كاشفةٌ، لأن الفواصل لا تكون إلا في النثر.
مُشْبِهةٍ: بالجر صفةً ثانية لفواصل، مُشْبِهةٍ هي، أي: الفواصل، والفاعل ضمير مستتر، قافيةً: مفعولٌ به لمشبهة، لأن مشبهة اسم فاعل، وهنا قد رفع الضمير المستتر العائد على فواصل، قافيةً: هذا مفعولٌ به.
في الشِّعْرِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقافية، وهذه الصفة كاشفة، لأن القافية لا تكون إلا في الشعر، هذا يسمى: صفة كاشفة.
إذًا: حاصل البيت: السجع كائنٌ وثابتٌ وحاصلٌ في فواصل، والجمع هنا المراد به اثنتان فأكثر كما ذكرنا، فحينئذٍ يكون الجمع ليس على بابه، بمعنى: أنه استعمل في غير ما دل عليه، لأن أقل الجمع على الصحيح هو ثلاثة، فإذا استعمل في اثنين فحينئذٍ لا بد من القول بأنه استعمل في غير مسماه، أو غير ما جُعل له، حينئذٍ يكون مجازًا، وعلى القول بأن أقل الجمع اثنان: حينئذٍ نقول: فواصل على بابه.
أقل معنى الجمع في المشتهر اثنان في رأي الإمام الحميري
وهو قولٌ للإمام مالك رحمه الله تعالى، قيل: بأنه قولٌ خطأ منسوبٌ إليه، لكن هذا مشهور عند المالكية.
إذًا: فواصل اثنتان فأكثر، والجمع ليس على بابه، وهو تواطؤها على حرفٍ واحدٍ .. تواطؤها وتوافقها على حرفٍ واحدٍ، وهذه الفواصل مشبهة لحصول السجع فيها قافيةً في الشعر، وهذا كما سبق معنى كلام السكاكي: هو في النثر كالقافية في الشعر، وإن كان ظاهر التعريف هو المعنى المصدري، وهو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير، وعلى كلام السكاكي هو نفس اللفظ، هذا الظاهر والله أعلم.