واختلف: هل يجوز أن يُقال: في فواصل القرآن أسجاعٌ أو لا: (( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) ) [الضحى: 9 - 10] تقهر .. تنهر، هل يقال فيه أنه سجعٌ، أم أنه لا يجوز أن يطلق السجع على القرآن؟ ثَمَّ خلافٌ بين أهل البيان في ذلك، والأدب المنع كما قال السيوطي في شرحه على عقود الجمان:"والأدب المنع لقوله تعالى: (( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) ) [فصلت:3] فسماه فواصل، فليس لنا أن نتجاوز عن ذلك، كما لا يجوز لنا استعمال الفاصلة في الشعر"الفاصلة لا تقع إلا في النثر، وحينئذٍ الشعر لا يقال فيه فواصل، إنما يقال فيه قوافي، حينئذٍ لا يُسحب كل حكمٍ تعلق بالنثر أو بالشعر على الآخر، فلا يقال في الشعر فواصل، كما لا يقال في النثر قوافي، لأن القوافي من خصائص الشعر، وهذا محل وفاق.
ولذلك أجمعوا أنه لا يقال في القرآن قوافي، هذا بالإجماع، لماذا؟ لأن الله تعالى نفى عنه الشعر، والقوافي من مستلزِمات الشعر، حينئذٍ لزم نفيها عن القرآن.
إذًا:"الأدب المنع، لقوله تعالى: (( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) ) [فصلت:3] فسماه فواصل، فليس لنا أن نتجاوز عن ذلك، كما لا يجوز لنا استعمال الفاصلة في الشعر، لأنها صفةٌ لكتاب الله تعالى، فلا نتعداه"قاله السيوطي في الإتقان، ولأن السجع كما سبق منحيث المعنى اللغوي: هدير الحمام ونحوه، والقرآن يشرُف عن أن يستعار له لفظٌ هو في الأصل لحيوان .. لطائر، وإذا كان الأصل في السجع: أنه هدير الحمام، حينئذٍ لا يطلق هذا اللفظ السجع على القرآن، فيراعى فيه الأدب فلا يطلق عليه ما يطلق على غيره من كلام البشر، وهو السجع ونحوه من الأوصاف، هذا قولٌ.
ورجح القاضي الباقلاني في الانتصار: جواز تسمية الفواصل سجعًا، وعليه قال الخفاجي: الفواصل ضربان .. نوعان:
ما يكون سجعًا، وهو ما تماثلت حروفه في المقاطع مثل: (( وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) ) [الطور: 1 - 2] .
وضربٌ لا يكون سجعًا، وهو ما تقاربت حروفه في المقاطع ولم تتماثل، تقاربت يعني: ليس بحرفٍ واحدٍ كـ (( وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) ) [الطور: 1 - 2] وإنما يكون هذا بنون وهذا بميمٍ مثلًا.
وفرَّق بين السجع والفواصل في موضعٍ آخر فقال:"أن السجع هو الذي يقصد في نفسه، ثُم يُجعل المعنى عليه"يقصد في نفسه يعني: اللفظ، وهذا كما سبق لا يُسلم، لماذا؟ لأن السجع إنما يكون اللفظ تابعًا للمعنى، وما دام أن أهل البلاغة عينوا بأن المعاني هي الأصل والألفاظ قوالب للمعاني، حينئذٍ تكون مقصودةً بالأصالة، والألفاظ تكون تابعةً، حينئذٍ هذا التعليل عليل وليس بجيد. في أن السجع هو الذي يُقصد في نفسه، ثم يجعل المعنى عليه، والفواصل هي التي تتبع المعنى غير مقصودةٍ في نفسها.
قال: ولهذا سُمي رؤوس الآي يعني: في القرآن: فواصل، ولم تسم أسجاعًا، هذا فيه شيءٌ من التكلف.
على كلٍ حقيقة السجع من حيث التوافق في الفاصلتين موجودٌ في القرآن، وأما التسمية من حيث اللفظ فالأولى التوقف فيها.
وأما تسميتها قوافي .. فواصل، فلا يجوز إجماعًا، لأن الله تعالى لما نفى عنه اسم الشعر، وجب نفي القافية أيضًا عنه لأنها منه ولازم منه، وهذا لا بد منه.
إذًا: