اللام هو الروي، والميم قبله مع الحركة الفتحة هي الحرف الذي قبل حرف الروي ولا يلزم أن يلتزمه الشاعر في كل بيتٍ بعد هذا، فإنه جاء قبل اللام بميمٍ مفتوحة، وليس بلازمٍ في السجع أو ما في معناه، وإنما يتحقق لزوم ما لا يلزم لو جيء في البيت الثاني بميمٍ مفتوحة.
ومثاله في السجع قوله تعالى: (( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) ) [الضحى: 9 - 10] انظر الراء هو الخاتم، والسجع حصل بماذا؟ بالراء، والهاء قبله التزمت أم لا؟ التزمت لكنه ليس بلازم، تقهر .. تنهر، ثم مُحَركة بالفتح، فلزم الحرف هنا .. التزمه مع حركته وهو الفتح. فإنه التزم قبل ما هو واقعٌ موقع الروي من الفاصلة وهو الراء الهاء .. التزم الهاء، وهو ليس بلازمٍ لتحقق السجع بدونه، فإن مثل فلا تنهر ولا تسخر سجعٌ، فلا تنهر ولا تسخر سجعٌ أم لا؟ نعم سجعٌ لأنه مختومٌ بالحرف الأخير وهو الراء، قبله: تنهر هاء .. تسخر خاء، إذًا اختلافهما لم يخرجه عن كونه سجعًا.
وكذا فتحة الهاء -في السابق المذكور لزومٌ آخر- لتحقق السجع بدونها، في نحو: لا تنهر ولا تُنصر، تُنصر الحركة مختلفة، ومثله قوله تعالى: (( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ) ) [الشرح: 1 - 2] إلى آخره.
إذًا:
والقلبُ والتّشريعُ والتِزامُ ما قَبْلَ الرَوِيِّ ذِكرُهُ لَنْ يَلْزَما
والذي قبل الروي ذكره لن يلزما، ذكره: هذا خبر، التزام: مبتدأ، وما: اسمٌ موصولٌ بمعنى: الذي، قبل الروي .. الذي حرف قبل الروي، قبل الروي: متعلق بمحذوف صلة ما، التزام: هذا مبتدأ.
إذًا: والتِزامُ ما، أي: الحرف الذي قبل حرف الروي، ذِكرُهُ لَنْ يَلْزَما: لزم الشيء لزومًا: ثبت ودام.
قال في الإيضاح:"وأصل الحسن في جميع ذلك أعني: القسم اللفظي، كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: هو أن تكون الألفاظ تابعةً للمعاني"يعني: كل ما سبق من المحسنات اللفظية لا ينبغي أن تكون تلك المحسنات هي المقصود بالذات، والمعاني تابعة، لأنك لو فعلت ذلك لوقعت في حرجٍ، إما في إغلاق وإما في تطويل، وإما في تكلف، لا بد من التنطع والتكلف، لكن تجعل المعاني هي الأصل، ثم بما أتيت من سليقةٍ ونحوها تكون الألفاظ تابعةً، وليس العكس.
وأصل الحسن في جميع ذلك، كما قال الشيخ عبد القاهر: هو أن تكون الألفاظ تابعةً للمعاني، يعني: دون العكس، فإن المعاني إذا أرسلت على سجيتها، وتركت وما تريد، طلبت لأنفسها الألفاظ، ولم تكتس إلا ما يليق بها، يعني: لو ترك الإنسان على سجيته لأتى بالألفاظ على ما يريد، وقد يقع في كلام بعض المتأخرين ما حمل صاحبه فرط شغفه بأمورٍ ترجع إلى ما له اسمٌ في البديع على أن ينسى أنه يتكلم ليُفهم، ويقول ليُبين، فيخرج عن هذا الأصل، لأنه ما تكلم إلا من أجل أن يوضح ويبين، فإذا تتبع هذه المحسنات وجعلها أصل حينئذٍ صار في كلامه إغلاق، وهذا منافٍ للأصل.
إذًا: هذا ما يتعلق بفصل الموازنة، ثم شرع في السرقات، ويأتي بحثها إن شاء الله تعالى.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!