وحاصله: أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافيتين من بحرين أو ضربين من بحرٍ واحدٍ، بحيث يصح الوزن والمعنى مع الوقوف على كلٍ منهما، والمراد: أن يكون البيت على وزنٍ من أوزان الشعر، بحيث لو أسقطت منه جزءً أو جزأين صار الباقي منه بيتًا من وزنٍ آخر من ذلك البحر، أو من غيره، يعني: لا يخرج عن كونه شِعرًا.
ثم بناء البيت في التشريع على قافيتين فقط - هكذا قيل - كما تُشْعِر به التسمية بذي القافيتين ليس بواجبٍ فيه، وإنما هو بيانٌ لأقل ما يجب فيه كقولهم: الكلام ما تضمن كملتين، يعني: قد يكون قافيتين وأكثر من قافيتين، وهذا النوع أبدعه واخترعه الحريري صاحب المقامات، ولكن فهمه لن يتقن إلا بفهم العَرُوض.
ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: والتِزامُ ما قَبْلَ الرَوِيِّ ذِكرُهُ لَنْ يَلْزَما: هذا من المحسنات اللفظية: لزوم ما لا يلزم، يعني: لا يلزمه شيءٌ ما فليتزمه، تبرع من عنده.
حرف الرَّوِيِّ: هو حرفٌ بنيت عليه القصيدة ونسبت إليه، فيُقال: قصيدةٌ لاميةٌ مثلًا، هذا يسمى حرف الروي، يعني: آخر البيت من الشعر، البيت والبيتان والثلاثة القصيدة، نقول: هذه لامية .. لامية الأفعال، لأنها مختومةٌ بحرفٍ وهو اللام، اللام هو حرف الروي، حرفٌ هو الرويِّ، يعني: الإضافة بيانية.
إذًا: حرف الروي، أي: حرفٌ هو الروي، فالإضافة بيانية: وهو حرفٌ بنيت عليه القصيدة ونسبت إليه فيقال: قصيدةٌ لامية مثلًا.
قال الناظم: والتِزامُ ما، أي: الحرف، (ما) هنا اسم موصول بمعنى: الذي يصدق على الحرف، والتِزامُ ما، أي: الحرف الذي قَبْلَ الرَوِيِّ، أي: قبل الحرف الروي، إذًا: النظر هنا ليس للروي، حرف الروي هذا مقطوعٌ به لا بد من التزامه، وإنما التزام ما قبله إما بحرفٍ، أو بحركةٍ، أو حرفٍ وحركةٍ معًا، وهذا ليس بلازمٍ.
والتِزامُ ما أي: الحرف الذي قَبْلَ الرَوِيِّ، أي: قبل الحرف الروي، وكذا ما في معنى الروي، لأنه ليس خاصًا بالشعر، حتى في السجع، وكذا ما في معنى الروي من الفاصلة: وهو الحرف الذي وقع في فواصل الفِقَر موقع الروي في قوافي الأبيات، يعني: الحرف الذي قبل خاتمة السجعة، كذلك هو داخلٌ في هذا المعنى، وإنما خصه بالروي، لأنه الغالب في الشعر.
إذا كان كلٌ منها يُلتزم وحده أو مع حركته، يعني: الحرف الذي قبل الروي يلتزم دون نظرٍ إلى حركته، أو يلتزم مع حركته، أو كانت تلتزم حركته وحدها في الفاصلة من النثر أو القافية من الشعر.
ذّكرُهُ لَنْ يَلْزَما، ذكره أي: ذكر هذا الحرف الذي قبل الروي لن يلزما، يعني: لا يلزم المواظبة عليه في النثر ولا في الشعر، لماذا؟ لأنه ليس من الأحرف التي تجب المحافظة عليها فيهما، ويتم السجع بدونه وكذا حركته، وإنما يُحمد من هذا النوع ما عَدِمَ الكُلْفَة، يعني: يكون محمودًا إذا لم يكن فيه تكلف، وأما إذا خرج إلى التكلف فهو مذمومٌ، والمراد بالتزامه أن يكون ذاك في بيتين أو فاصلتين أو أكثر، وإلا ففي كل بيتٍ وفاصلةٍ يجيء قبل حرف الروي ما ليس بلازمٍ في السجع، كقوله:
قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ بِسقْطِ اللِّوَى بين الدَّخُول فَحوْمَلِ