والقلبُ، يعني: من اللفظ .. من المحسنات اللفظية، والقلب كذلك: وهو أن يكون حروف الكلام على ترتيبٍ، وهذا من الأشياء الطريفة، يعني: يُقرأ طردًا وعكسًا، القلب المراد به: ما يُقرأ طردًا وعكسًا، قد يكون في الكلمات .. كلمة أو كلمتين، أو جملة أو بيت كامل، يُقرأ بطريقة ثم إذا عكسته يُقرأ على نفس المنوال، لا بد أن يتحد في نفسه.
أن يكون حروف الكلام على ترتيبٍ، بحيث لو افتتح من آخره إلى أوله لخرج النظم الأول بعينه، فهو كل لفظٍ إذا قلب كان إياه، هو نفسه بعينه، يعني: تقرأه طردًا وعكسًا، ونفس اللفظ والمعنى ما يختلف، بحيث لا يختلف اللفظ في القراءة من أي طرفيه طردًا وعكسًا، ويسمى: المقلوب المستوي.
وهذا غير القلب الذي مر معنا في الجناس، قلنا: الجناس نوعان: قلب كل، وقلب بعض، هناك قلب ويختلف اللفظ: فتحٌ .. حتفٌ، اختلف اللفظ واختلف المعنى، وهنا لا: اللفظ كما هو سلسٌ .. سلسٌ، اللفظ هو بعينه، ولكن المعنى كما هو، بخلاف: فتح وحتف، هناك القلب يختلف اللفظ ويختلف المعنى، وإن سمي قلبًا وهو واضح، كذلك هنا يسمى: قلبًا، لكن بمعنىً آخر، وهذا غير القلب الذي ذُكِر في الجناس، فإنه هناك إذا قلبت الكلمة تغير لفظها ومعناها: كفتحٍ وحتفٍ، ويجب ثَمَّ - هناك- ذِكْر اللفظين جميعًا بخلاف هنا .. هنا ليس عندنا لفظان، ولذلك تقرأ: سلس .. وتعكسه سلس، ما تذكره مرةً وتكتبه، هناك لا بد أن يُذكر اللفظان: فتحٌ وحتفٌ .. لاح حال، كما سبق معنا، بخلافه هنا.
ويقع هذا هنا في كلمةٍ أو كلمتين أو أكثر، في نظمٍ أو نثرٍ، يعني: عام، ومثال وقوعه في كلمة قوله: سلس .. اعكسها: سلس .. سلس .. باب .. خوخ، وفي كلمتين كذلك: أرضٌ خضراء كذلك، وفي أكثر كقوله تعالى: (( كُلٌّ فِي فَلَكٍ ) ) [الأنبياء:33] .. (( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) ) [المدثر:3] تعكسها، المعنى واحد واللفظ هو هو عينه.
من الغرائب أن بيت يقرأ بالعكس كذلك، ومنه قوله:
مودته تدوم لكل هولٍ وهل كلٌ مودته تدوم
هذا يقرأ طردٌا وعكسًا.
والقلبُ والتّشريعُ .. قال الناظم: والتّشريعُ، أي: ومن اللفظ التشريع، وهو بناء البيت على قافيتين يصح المعنى على الوقوف على كل واحدةٍ منها، وهذا متعلقٌ بالعَرُوض، يعني: لن يفهم إلا من فهم علم العروض، كقوله:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها شرك الردى وقرارة الأكدار
لو وقف عند قوله: شرك الردى صح البيت، وزيادة: وقرارة الأكدار، كذلك يصح البيت، إذًا: بناء البيت على قافيتين: الردى .. الأكدار، يصح المعنى على الوقوف على كل واحدةٍ منها، ولا يخرج عن كونه بيتًا .. عن كونه شعرًا:
يا خاطب الدنيا الدنـ ـية إنها شرك الردى
صح البيت، وقرارة الأكدار، لو تمم صح البيت، فإن وقفت على الردى فالبيت من الضرب الثامن من الكامل، وإن وقفت على الأكدار فهو من الضرب الثاني منه، إذًا صح، وهذا يسمى بالتشريع.