حيثُ يتّفِقْ في الوَزْنِ: سواءٌ كانت مماثلةً في التقفية أو لا فهي أعم، لَفظُ فقرَتيها أو أكثره، فاسْتَفِقْ: هذا تتميم كما سيأتي، فحقيقة المماثلة: أن تكون بعد تساوي الفاصلتين في الوزن دون القافية، جميع كلمات القرينة أو أكثرها مقابلةٌ لها من كلمات القرينة الأخرى في أوزانها، وهي من الموازنة بمنزلة الترصِيع من السجع .. السابق التفصيل، مُرَصَّعٌ إن كانَ ما في الثانِيةْ أو جُلُّهُ، هذا المعنى هو المراد هنا، يعني: النظر يكون فيه إلى الجملة الثانية، إما أن تكون أكثر أو جلها .. عدم التطابق، يعني: إذا تطابقتا حينئذٍ نقول: حيث يتفق في الوزن، يعني: في الوزن لفظ فقرتيها، يعني: تكون الجملة الأولى والجملة الثانية في عدد الكلمات متساوية، أو يكون أكثرها.
وهي من الموازنة بمنزلة الترصيع من السجع، مثالها قوله تعالى: (( وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) [الصافات: 117 - 118] مستبين .. مستقيم: ليس بسجعٍ، مستبين .. مستقيم: اتفقا في الوزن، وهذا مثالٌ للمتفق وزنًا لا تقفيةً، آتيناهما .. هديناهما: بينهما فرقٌ في الوزن، لم يتفقا، ويجوز أن يكون الصراط المستقيم (( وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) [الصافات:118] يجوز أن يكون جزء القرينة، ويكون آخرها قوله تعالى: (( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ ) ) [الصافات:119] كما هو الظاهر فلا تكن تلك الفاصلة غير مقفاة، يعني: يحتمل أن الوقف: (( وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) [الصافات:118] أن يكون هنا، ويحتمل أنه تكملة لما بعده، فإذا كان تكملةً حينئذٍ صارت الثانية أكثر من الأولى، وصارت التقفية حاصلةٌ، لأن قوله: المستبين، والآخرين: هذا متفق في الحرف، حينئذٍ حصل التقفية مع كونه موازنةً، واجتمع معه السجع كذلك.
فلا تكون تلك الفاصلة غير؟؟؟، يعني: ليست مغايرةً للأخرى، وكقول الشاعر:
مَها الوحش إلا أنّ هاتا أوانِسٌ قَنا الخطِّ إلا أنّ تلْك ذَوابِلُ
مَها الوحش .. مها: جمع مهاةٍ، وهي البقرة الوحشية، إلا أنّ هاتا، أي: هذه النساء، هاتا: اسم إشارة، قَنا الخطِّ إلا أنّ تلْك، أي: القنا ذَوابِلُ: من الذبول ضد النعومة والنضارة، وهذا مثالٌ للمتفق وزنًا لا تقفيةً، والآية والبيت مثالان لما يكون أكثرَ ما في إحدى القرينتين مثل ما يقابله من الأخرى لا جميعه، إذ لا يتحقق تماثل الوزن في: آتيناهما وهديناهما، مختلفان، وكذا في: هاتا وتلك.
إذًا: الكلام في الترصِيع هو الكلام في المماثلة .. عينه.
وهْيَ المماثَلَةُ، أي: تسمى الموازنة مماثلةً، متى؟ حيثُ يتّفِقْ في الوَزْنِ لَفظُ فقرَتيها، فاسْتَفِقْ: هذا تتميمٌ للبيت، أمرٌ من استفاق، أي: أفاق، يُقال أفاق فلانٌ: عاد إلى طبيعته من غشيةٍ لحقته، غَشْيَةٌ فَعْلَةٌ، وأفاق النائم من نومه، والغافل من غفلته.
والقلبُ والتّشريعُ والتِزامُ ما قَبْلَ الرَوِيِّ ذكرُهُ لَنْ يَلْزَما
بقي أن يُقال: ولا تختص المماثلة بالشعر، كما ذهب إليه بعضهم، ولا تختص الموازنة بالنثر كما فهمه بعضهم، بل هما جاريان فيهما.