إذن: وكان بالمؤمنين رحيمًا مثل: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] نعبدك .. فرقٌ بين الجملتين: نعبدُك هذا لا ينفي الشريك، أليس كذلك؟ نعبدُك ونعبد غيرك، نعبدك، يعني: نصرفُ لك نوعًا من العبادة، ولا يلزمُ من هذا اللفظ نفي العبادة عن غيره، لكن لما قدّمَ المعمول نعبدك الكاف انفصلَ فصارَ"إيا"، فاتصل به حرف خطاب إياك نعبد، أي: لا نعبد إلا إياك، (( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ) [الفاتحة:5] أي: لا نستعين إلا بك، هذا يُسمى الحصر والقصر.
(( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) ) [الأحزاب:43] أي: رحيمًا بالمؤمنين لا بغيرهم، فحينئذٍ الرحيم نفسّره بأنه ذو رحمةٍ خاصة بالمؤمنين، وأما من جهة اللفظ فهو عام، لماذا لأنه يجوزُ أن يُطلَق على غير الله عز وجل، فيكون الاشتراك هنا في اللفظ فقط، أما في المعنى فكلٌّ ينفرد بصفةٍ تليق بالموصوف، الرحيم إذا أُطلق على الله عز وجل دلَّ على ذاتٍ متصفة بصفة الرحمة اللائقة به جل وعلا، وإذا وُصفَ به المخلوق دلَّ على ذاتٍ متصفة بصفة الرحمة اللائقة بالمخلوق، فبينهما فرقٌ كما بين السماء والأرض.
إذن: الرحمن الرحيم، نقول: هذان عَلَمان على الله عز وجل.
بسم الله: جار ومجرور متعلق بمحذوف، تقديره أُأَلِّهُ، الباء حرف جر، واسم: اسم مجرور بالباء، اسم مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، الرحمن: نعت للفظ الجلالة، الرحيم: نعت بعد نعت، ونعت المجرور مجرور.
هذا وجهٌ سائغ في اللغة وهو سنّةٌ، لماذا هو سنّةٌ؟ لأن القراءة هكذا ثابتة بسم الله الرحمن الرحيم.
أما من جهة الصَّنعة عند النحاة فيجوزُ في الرحمن الرحيم عقلا تسعةُ أوجه: سبعة جائزة واثنان ممنوعان، قل ما شئت رفعًا ونصبًا وجرًا إلا وجهين:
الوجه الأول: إذا رفعتَ الأول أو نصبتَه لا يجوز جرّ الثاني، بسم الله الرحمنَ الرحيمِ لا يجوز، بسم الله الرحمنُ الرحيمِ لا يجوز، مع عدا ذلك فهو جائز، بسم الله الرحمنُ الرحيمُ .. بسم الله الرحمنَ الرحيمَ .. بسم الله الرحمنَ الرحيمُ .. بسم الله الرحمنُ الرحيمَ، هذا يجوز، إن رفعت فهو خبرٌ لمبتدأ محذوف وجوبًا، بسم الله هو الرحمن .. هو الرحيم. هذا أبلغ، بسم الله الرحمنِ .. بسم الله الرحمنُ، يُسمى قطعًا عند النحاة، تقطعهُ من الجر إلى الرفع، وحينئذٍ يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، إن نصبت فهو مفعول به لفعل محذوف وجوبًا، أعني أو أمدح، وهذا أبلغ أيضًا من الجر.
إن يُنصب الرحمنُ أو يرتفعا ... فالجرّ في الرحيم قطعًا مُنعا
بعد أن ذكر البسملة انتقلَ إلى الوصف الآخر الذي دلّ عليه الحديث وهو: {كل أمرٍ لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم} هكذا قيل، والحديثان {كل أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر} {كل أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر} في ظاهر الحديثين أن ثَم تعارضا بينهما؛ لأن الأول نص الابتداء بالبسملة، والثاني نص الابتداء بالحمد لله، ماذا نصنع؟ لا بدّ من الجمع قبل الترجيح.