وذي الكلام، أي: والفصاحة في ذي الكلام، أي: صاحب الكلام، أضافَها الناظم بتغيير لبعض ألفاظ صاحب الأصل، صاحب الأصل قال: الفصاحة في المتكلِّم: هي مَلَكةٌ يُقتَدرُ بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، ملكة ما المراد بملكة؟ هيئةٌ راسخةٌ في النفس، يعني: ليست بصفةٍ تُوجدُ في حال، ثم يفقدها الإنسان؛ لا، هي تكون راسخة في النفس، متى ما أراد أن يتكلم بكلامٍ فصيح فهو جاهز، يتكلّم فإذا به عنده ملكة أخذها من ممارسة كلام أهل اللغة، أو يكون سَلِيقيًا إن نشأ بين أهل اللغة، أو بالاكتساب.
إذن: مَلَكةٌ المراد بها هيئةٌ راسخة، إذن: لو تكلَّم المتكلم بكلام فصيح، وجاءت هكذا معه، وليست عنده ملكة، خطبَ خطبةً هكذا وأنشأها وليس هو بالفصيح، نقول: هذا ليس بفصيح، لماذا؟ لأن فصاحة المتكلّم لا بد أن تكون هيئةً راسخةً في النفس، يعني: لا تزول في حالٍ دون حال، بخلاف بعض الصفات، الصفة قد تكون راسخةً ثابتةً في الإنسان، وقد توجد في وقتٍ دون وقت، لو تكلّم بكلام فصيح وليست هذه الفصاحة راسخةً فيه، وإنما أتت هكذا عفويًا معه، نقول: هذا ليس بفصيح؛ لأن شرط الفصاحة: الملكة.
قد يقول قائل: إذا خطبَ خطبةً فصيحة وأتى بكلام فصيح، يلزمُ من ذلك أن يُشتقَّ له وَصفٌ؛ لأن الذات إذا قامَ بها وَصفٌ وجبَ أن يُشتقَّ لها منها اسم فاعل، كمن أحدث القيام، يجبُ أن نقول: قائم، هذا واجب، ضربَ: قام به الضرب فهو ضارب، قتل: قام به القتل إذن هو قاتل، هذا يتعيّن، ولا مناص عنه بإجماع أهل اللغة، وهذا مما يُردُّ به عن المعتزلة.
إذن: إذا تكلم بكلامٍ فصيح وليست عنده هيئة راسخة يلزم عليه أن يُشتق عليه وصفٌ من الفصاحة فيوصف بها، نقول: لا، المعنى الذي يقوم بالإنسان فيُشتقُّ له وصف الفصاحة هو الملكة لا الصفة الزائلة، إذا وُجدت الملكة اشتُق له، أما إذا وجدت الفصاحة بحال دون حال لم يقم المعنى أصلًا حتى نقول: يجب أن يُشتقّ له منه وصف.
مَلكةٌ يُقتَدر بها، يُقتَدر عَبَّر بالقدرة ليشمل ماذا؟ ملكةٌ يُقتَدر بها، أي: بهذه الملكة، ليشمل حالتي النطق وعدمه، لماذا؟ لأن مَن تكلَّم بالفصاحة بالفعل فهو فصيح ولا إشكال فيه، لكن مَن لم يتكلَّم في وقت عدم كلامه، هل يُطلق عليه الوصف أم لا؟ يُطلق عليه الوصف بالقوة، لماذا؟ لأن الهيئة الراسخة موجودة عنده، سواء تكلم أم لا فهو موصوف بالفصاحة.