وأما حكمه في الشرع: هل هو جائزٌ أم لا حضرًا وإباحةً؟ فيه خلاف: فعند الحنفية: المنع، لا يجوز أن يضعه في الشِّعر، وأشد الخلاف أنه في الشِّعر، لماذا؟ لأنه سيأتي بالقرآن بالآية على وزنٍ من الأوزان أو التفعيلات، والأصل أن القرآن لا يجوز فيه هذا، هذا هو الأصل.
فعند الحنفية المنع، نص عليه في الفتاوى البزازية، ونقل فيه عن محمد بن إسحاق الكلباذي التفصيل، والفرق بين العالم به فيكفر، وبين الجاهل فلا يكفر، إذًا: وصل إلى الكفر، وعن الإمام مالك رحمه الله تعالى: المنع، بل شدد فيه، -سينص عليه المصنف في آخر باب التضمين-، وأصحابه يبالغون في تحريمه ويشددون النكير على فاعله، ومرادهم استعماله في الشعر، يعني: استعمال القرآن في الشعر، وأما في النثر في مقام الوعظ والثناء والدعاء فهذا جائزٌ عند المالكية، فقد صرح القاضي أبو بكر بن العربي منهم بجوازه في النثر.
ولم ينقل عن الشافعية كما نص السيوطي في عقود الجمان تصريحٌ بمنعٍ أو إباحة، وقد تعرض له بعض متأخري الشافعية كالعز بن عبد السلام فأجازه، يعني: يجوز الاقتباس من القرآن والسنة، واستدل بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله في الصلوات: {وجهت وجهي} إلى آخره، وقوله: {اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا} إلى آخره هذا اقتباس، لكنه في النثر وليس في الشعر.
والنووي رحمه الله تعالى أباحه في النثر من الخطب بعضًا فقط دون النظم مطلقًا وعظًا وغيره.
وقيل: الاقتباس على ثلاثة أقسام: مقبولٌ، ومباحٌ، ومردود، يعني: التفصيل، وهذا اختاره السيوطي في الإتقان وفي عقود الجمان، فالمقبول: ما كان في الخطب والمواعظ ونحوها، الاقتباس من القرآن ومن السنة إذا كان في الخطب والمواعظ ونحوها فهو مقبول.
والمباح: الذي لا يتعلق به منعٌ أو استحسان، ما كان في الغزل والرسائل والقصص، هذا مباح، الرسائل والقصص لا بأس، أما الغزل فيه إشكال.
والمردود على صاحبه على نوعين:
ما نسبه الله إلى نفسه، قال: ونعوذ بالله ممن نقله إلى نفسه، يعني: ما كان من خصائص إذا قيل: قرآنًا، هل كل قرآن يجوز الاقتباس؟ الجواب: لا، (( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ) ) [طه:14] هذا لا يجوز، إذًا: لا بد من استثناء هذا النوع، فإن اقتبسه حينئذٍ يكون مردودًا على فاعله، بل حكم بعضهم بكفره، كما قيل عن بعض بني مروان: أنه وقَّعَ على بطاقةٍ فيها شكايةٌ لبعض عماله، وقع توقيع: (( إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) ) [الغاشية: 25 - 26] هذا فاسد.
والآخر: تَضمِين آيةٍ في معنىً هو هزل، وهذا كذلك فيه شيءٌ قد يصل إلى حد الكفر.
قال السيوطي:"وهذا التقسيم حسنٌ، وبه أقول"يعني: فيه تفصيل منه مقبول ومنه مباح، ومنه مردود، وقال السبكي:"الورع اجتناب ذلك كله"نعم الورع اجتنابه في الشعر على جهة الخصوص، وأما النثر فالظاهر أنه قد يكون مردودًا إذا كان من خصائص الرب جل وعلا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون مقبولًا في الخطب ونحوها، وأما الشعر لأن فيه إشكالًا، وهو أنه يَرد بالآية من أولها إلى آخرها على تفعيلات الشعر، والأصل أنه لا يكون كذلك.