فهرس الكتاب

الصفحة 804 من 828

والجواب: أن يقال بأن (من) هنا جنسية، وليست للبيان، وليست للتبعيض، بل هي للجنس، فهي جنسية، حينئذٍ فلا يَرد ما ذُكِرَ، وأما التقييد بالغير .. من شعر الغير، وإن لم يذكره الناظم هذا لا بد منه، فلإخراج تضمين شيءٍ من شعر نفسه، وكانت له قصيدة جاء يشْعُر في قصيدة أخرى، وأخذ شيئًا من شعر نفسه لا يسمى تضمينًا، وإنما لا بد أن يكون التضمين أن يأخذ شيئًا من شِعْر غيره، أما شعره نفسه فلا يسمى تضمينًا، فإنه نوعٌ مستقل وليس من أفراد التضمين.

والأخذُ من شِعْرٍ بِعَزْوِ ما خَفي: بعزو الباء هنا بمعنى: مع، يعني: مع عزو، أي: معه، يُقال: عزى الخبر إلى صاحبه: أسنده إليه، بِعَزْوِ ما خَفي: و (ما) هنا اسم موصول بمعنى: الذي، وخفي: المراد به استتر، يعني: ما لم يكن مشهورًا، لا بد أن يسنده إلى قائله، وليس المراد أن يذكر اسمه، وإنما أن يشير إلى أنه ليس من صنعه، وإنما هو دخيل على القصيدة.

بِعَزْوِ ما خَفي، أي: مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورًا، فشرط التضمين: أن يبين المضمن ذلك: أنه قد ضمن شعره من شعر غيره، لئلا يتهم بالأخذ والسرقة، لو لم يبين لقيل أنه قد سرق، وثَمَّ فرقٌ بين السرقة والتضمين، فالسرقة لا يُبيَّن بأنه أخذ هذا البيت من غيره، إذًا: شرط التضْمِين أن يُبيَّن المُضَمِّن ذلك، لئلا يُتهم بالأخذ والسرقة، أو يُتوهم أنه من التوارد، يعني: توارد الخواطر كما ذكرنا فيما سبق.

وهذا إن كان المُضَمَّن خفيًا ولم يشتهر وتعرف نسبته إلى قائله، وأما إذا كان مشتهر النسبة إلى قائله، يعني: اشتهرت نسبته إلى قائله، إذا قرئ الشطر أو البيت عُرِفَ أنه للمتنبي ولا يحتاج إلى العزو، وأما إذا اشتهرت نسبته إلى قائله ولو عند المخاطَب فلا حاجة إلى التبيين المذكور، وهذا مأخوذٌ من مفهوم قوله: ما خَفي.

إذًا: بِعَزْوِ يعني: مع إسناد وبيان أن هذا الذي أخذه ليس له، ما خَفي، إذًا: المخفي غير المشهور، وأما المشهور فحينئذٍ خرج بالمفهوم ولا يحتاج إلى التنبيه.

إذًا: والأخذُ من شِعْرٍ بِعَزْوِ ما خَفي تَضمينُهُمْ: ما هو التضمين؟ أن يأخذ الشاعر من شعر غيره ومع التنبيه على أنه ليس من شعره، وهذا بشرط: أن يكون ذلك الشعر المأخوذ مضمن غير مشهور النسبة إلى قائله، فلا بد أن يبين وإلا لاتهم، فإن لم يبين حينئذٍ وقع في حرجٍ، ولذلك قيل: بأن هذا القيد لينبه على أنه من شعر الغير، وبهذا القيد وما يقوم مقامه من الشهرة يتميز عن السرقة.

مثال تضمين المصراع غير المشهور مع التنبيه عليه، مصراع يعني: شطر بيت، وهو غير مشهور، إذا كان غير مشهور تعين أن ينبه بأنه من شعر الغير، كقول الحريري:

على أني سأنشد: هذا فيه إشارة إلى أنه ليس من شعره.

على أني سأنشد عند بيعي أضاعوني وأي فتىً أضاعوا

إذًا: أضاعوني وأي فتىً أضاعوا، ليس من كلام الحريري، ما الذي دلنا على ذلك؟ قوله: سأنشد، فنبه بقوله: أنشد، على أن المصراع الثاني ليس له، فإن الإنشاد إنما يكون لشيءٍ سُبق نظمه، وهنا ضمن بيته مصراعًا، يعني: شطر بيتٍ وهو غير مشهور، حينئذٍ تعين فيه البيان، بِعَزْوِ ما خَفي، فإن لم يعز ما خفي وقع في التهمة وهو السرقة.

ومثال تضمين البيت غير المشهور مع التنبيه عليه، قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت