إذا ضاقَ صدري وخفتُ العدا تمثلتُ بيتًا; بحالي يليقْ
فباللهِ أبلغُ ما أرتجي وباللهِ أدفعُ ما لا أطيقْ
إذًا: تمثلت بيتًا، تعلم أن البيت الآتي ليس من شعره، وإنما هو من باب التضمين، ففي قوله: تمثلت بيتًا: تنبيهٌ على أن البيت الأخير ليس له، هذا هو الأصل: أنه إذا ضمنه مصراعًا ليس مشهورًا نبه عليه، وإلا لصار سرقةً، يعني: اتهم بالسرقة، وإن كان مشهورًا حينئذٍ لا يحتاج إلى التنبيه، وقد يحصل بعض التنبيه حينئذٍ لا إشكال، يكون من باب تأكيد المؤكد.
ومثال تضمين المصراع المشتهر بالنسبة إلى قائله بدون تنبيه على الأصل: أنه لا ينبه عليه، قول بعضهم:
قد قلت لما أطلعت وجَنَاته حول الشَقِيق الغَصِّ روضة آسي
أعِذَارُه الساري العَجُول تَرَفُقًا ما في وقوفك ساعة من باسي
المصراع الأخير لأبي تمام، قالوا: وشهرته كافيةٌ عن التنبيه عليه.
إذًا: إذا كان مشهورًا سواءً كان مصراعًا أو بيت فلا يحتاج إلى النسبة، وقد يبين، لكنه ليس بمتعين.
والأخذُ من شِعْرٍ بِعَزْوِ ما خَفي تَضمينُهُمْ: هذا تعريف التضمين.
ثم قال: وما على الأَصْلِ يفي لنكتةٍ أجمَلُهُ: أجملُهُ: مبتدأ مؤخر، و (ما) اسم موصول بمعنى: الذي، خبر مقدم.
وما على الأَصْلِ يفي لنكتةٍ أجمَلُهُ، أي: أجمله وأحسنه، التضمين قد يكون جميلًا، وقد يكون دون ذلك، فهو مراتب في الحسن على حسب تغيير صاحب التضمين، أي: أجمله وأحسنه، أي: التضمين: أن يكون مما تميل إليه الطباع وتألفه وتأنس به، إما لشهرته، أو اشتماله على مزايا بديعة، أو كون صاحبه مما يعتد بكلامه ويشتهر سماع مقاله، حينئذٍ يكون في حسنٌ للشِّعر المُضَمّضن، الشِّعر المُضَمَّن الذي ضُمِّن هذا البيت كلما كان له مكانة من حيث القائل، أو من حيث الرونق وما تضمنه من معنى، حينئذٍ يكون جميلًا.
وقوله: لنكتةٍ: هذا متعلق بقوله: يفي، أي: يزيد لنكتةٍ وفائدةٍ ليست في الأصل المأخوذ منه، بأن يشتمل المُضَمَّن في شعر الشاعر الثاني على لطيفة لا توجد في شعر الشاعر الأول، كالتورية والتشبيه فهو أحسن لأنه يُقال: أجمله، إذًا: فهو أحسن.
لنكتةٍ، يعني: يفي لفائدةٍ، قد يستعمله من حيث اللفظ ويريد به معنىً آخر، كالتورية والكناية والتشبيه ونحو ذلك، مثاله:
إذا الوَهْمُ أَبْدى لِي لَماها وثَغْرَهَا تَذَكَّرْتُ ما بينَ العُذَيْبِ وبَارِقِ
ويُذْكِرُني منْ قدِّها ومَدَامِعِي مَجَرَّ عَوَالينا ومَجْرَى السَّوابِقِ
فإن المصراعين الأخيرين مضمنان من مطلع قصيدة للمتنبي، ولشهرة نسبتهما إليه لم ينبه، لا يحتاج إلى التنبيه على ذلك، فزاد على التضمين شيئًا آخر، وهو التورية، حيث أطلق العُذَيْبِ وبَارِقِ .. تَذَكَّرْتُ ما بينَ العُذَيْبِ وبَارِقِ هكذا استعملها المتنبي، لكنه أراد به في التضمين معنىً آخر، لأن العذيب يحتمل اسم المكان ويحتمل شيئًا آخر، وهو أراد الشيء الآخر الذي لم يستعمله فيه المتنبي.