فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 828

تَذَكَّرْتُ ما بينَ العُذَيْبِ وبَارِقِ: فزاد على التضمين التورية، حيث أطلق العذيب وبارق، وهما الموضعان المسميان بهذين الاسمين، إذًا: العذيب وبارق لهما معنيان، معنىً قريب وهو اسم المكان وهذا هو الأصل فيه، وهو الذي استعمله فيه المتنبي، ومعنىً بعيد، وهو تصغير العذب المكنى به عن لَماها، لمى ما هو؟ سواد في الشفة، وبَارِقِ: الذي هو اسم فاعل من بَرَقَ إذا لَمَعَ، وأراد به هنا ثغرها ما أراد به اسم الموضع.

إذًا: العذيب وبارق لهما معنيان: معنىً قريب ومعنىً بعيد، المعنى القريب هو الذي استعمله المتنبي، والمعنى البعيد هو الذي أراده الشاعر، إذًا: زاد عليه، استعمله تضمين ليس هكذا تضمينًا في اللفظ فحسب، وإنما زاده معنىً وهو التورية، فاستعمل اللفظ وأراد به معنىً بعيد، وهذا هو شأن التورية كما مر معنا.

إذًا: بارق الذي هو اسم فاعل من برق إذا لمع، وأرد به هنا ثغرها، وزاد التشبيه أيضًا في القد وجريان المدامع بالعوالي، وجري السوابق، أي: الخيل.

إذًا: هنا حصل تضمين ولكنه زاده المُضَمِّن معنىً لم يكن في الأصل، فزاد عليه فصار جميلًا، ولذلك قال: وما على الأَصْلِ يفي لنكتةٍ أجمَلُهُ: على الأصل الذي هو البيت المُضَمَّن، قبل جعله في التضمين، إن زاد عليه معنىً زاده جمالًا، إذًا: التضمين هنا ليس أخذ لفظٍ فحسب أو شطر أو بيت، وإنما قد يستعمله بذكائه وحذقه في معنىً آخر، (وما) قلنا: هذا خبر أي: الذي.

يفي: وفى يفي: يتم، على الأَصْلِ: المراد بالأصل المُضَمَّن، لنكتةٍ: هذا متعلق بيفي، أجمَلُهُ يعني: أجمل التضمين، الضمير هنا يعود إلى التضمين، إذًا: وأجملُهُ ما يفي على الأصل لنكتة، هذا تقدير الكلام، وأجمله: الواو داخلة على أجمله، وأجمله أي: أجمل التضمين وأحسنه ما أي: الذي، يفي: يتم على الأصل المُضَمَّن معنىً لنكتةٍ .. لفائدةٍ، كالتورية التشبيه والكناية ونحو ذلك، بمعنى: أن المُضَمِّن يتصرف فيه، ويحمله على معنىً سائغ.

واعلم أن الأصل في التضْمِين: بقاء المُضَمَّن على حاله في اللفظ .. أن لا يغير فيه، هذا الأصل كالاقتباس، فالأصل في التضْمِين: بقاء المُضَمَّن على حاله في اللفظ، وإن استعمل في غير المعنى الذي استعمل فيه الأول، كما سلف في الأمثلة، المثال السابق: استعمله في غير ما أراده المتنبي، ومع ذلك يبقى اللفظ على حاله، هذا هو الأصل فيه.

ولا يضر التضْمِين تغييرٌ يسير يحصل في لفظ المُضَمَّن، بمعنى: أنه يغتفر التغيير اليسير، احترازًا عن التغيير الكثير فلا يغتفر، ولذلك قال الناظم هنا: واغتُفِرا يسير تغييرٍ، قوله: واغتُفِرا يسير تغييرٍ تعلم أن الأصل هو عدم التغيير، وهذا هو الكثير الغالب: أنه يبقى اللفظ كما هو فلا يغيره، ولكن لو حصل تغيير يسير من أجل وزنٍ، تسكين متحرك، أو حذف حرفٍ، أو ترخيم، أو نحو ذلك من أجل إصلاح الوزن أو قافية، حينئذٍ نقول: هذا يسيرٌ فلا يضر التضْمِين، ويبقى على ما هو عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت