فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 828

وتعقيدٍ: ما معنى التعقيد؟ الخفاء: أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد، وهذا لسببين: أحدهما: يرجع إلى اللفظ، والآخر: يرجع إلى المعنى، الانتقال يعني، الانتقال من المعنى الأصلي إلى المعنى المقصود بالناظم أو المتكلم، إذن: لا يُحكم على الكلام بأنه فصيح إلا إذا خلُصَ من هذه الثلاثة الأمور كلها.

وذي الكَلامِ صِفةٌ بها يُطيْقْ ... تأدِيةَ المقصُودِ باللَّفظِ الأنيقْ

ج

هذا حدُّ فصاحة المتكلم: ملكةٌ يُقتدر بها على تأدية المعنى بلفظ فصيح، ملكةٌ عبّر بملكة دون صفة، لماذا؟ لأن الصفة منها ما تكون راسخة، ومنها ما هي قابلة للزوال، وهنا لا يكون المتكلم فصيحًا إلا إذا كانت الفصاحة مَلَكة، يعني: راسخة، هيئةٌ راسخة في النفس، أما إذا كانت صفةً قابلةً للزوال حينئذٍ لا يُوصَفُ بأنه فصيح، ولذلك لو وافقَ الفصاحة من غير أن تكون له ملكة لا يُقال: إنه فصيح، ولو تكلَّم بكلام فصيح، انطبقت عليه القواعد، نقول: هذا لا يُسمّى ولا يوصف بأنه فصيح، لماذا؟ لأنه تكلّم دون مَلكةٍ، وإنما وافقَ أمرًا ظاهرًا.

وذي الكلام صفةٌ بها يطيق: صفةٌ يُقتَدَر بها، لم قال: يُقتَدَر؟ ليشمل حالتي النطق وعدمه؛ لأنه لا يُشترط في وصفه بالفصاحة أن يكون أثناء الكلام مُتّصفًا بالفصاحة، فإذا سكتَ لا يقال إنه فصيح لا، يُوصف بأنه فصيح سواء كان متكلمًا أم ساكتًا لوجود هذه الملكة، ملكةٍ يُقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظٍ فصيح، بلفظٍ ليشمل المفرد والكلام؛ لأن الفصاحة تكون وصفًا للمفرد وتكونُ وصفًا للكلام.

وذي الكَلامِ صِفةٌ بها يُطيْقْ ... تأدِيةَ المقصُودِ باللَّفظِ الأنيقْ

إذن: مِن هذه الأبيات نعرف أن الفصاحة تكون وصفًا للمفرد، وتكون وصفًا للكلام، وتكون وصفًا للمتكلم.

أما البلاغة فلا تكون وصفًا للمفرد، وإنما تكونُ وصفًا للكلام والمتكلّم، يقال: كلمةٌ فصيحة، وكلامٌ فصيح، ومتكلمٌ فصيح، ويقال: كلامٌ بليغ ومتكلمٌ أو شاعر بليغ، ولا يقال: كلمة بليغة، وما نُقل عن الجوهري فهو إما تسامح أو مؤول، حينئذٍ لا يقال: كلمةٌ بليغة؛ لأن البلاغة كما سيأتي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فحينئذٍ لا بد أن يكون ثم معاني وأغراض تُطابق مقتضى الحال، وهذا لا يتأتى في المفرد.

يوصفُ بالفصاحة المركب ومفردٌ ومنشئٌ مرتِّبُ

وغير ثانٍ صِفهُ بالبلاغة ..

وغير ثانٍ الذي هو المفرد، صِفهُ، وغيرَ ثاني، المستثنى هنا: غيرَ ثانٍ، ما هو الثاني؟ المفرد: يُوصف بالفصاحة المركب ومفردٌ، غير ثانٍ صِفهُ بالبلاغة، فيقال: مُركّبٌ بليغ على ظاهر اللفظ لكنه ليس بسديد، لماذا؟ لأنه وإن عُمّمَ لفظ الكلام في الفصاحة ليُوصفَ الكلام المصطلح عليه عند النحاة، المركّب الإسنادي التام؛ لأنه فصيح، ويشمل أيضًا الجملة التي ليست بكلام، كجملة الخبر ونحوها، والمركب الإضافي والمركب التوصيفي والصوتي العددي ونحوها، كل المركبات بأنواعها تُوصفُ بالفصاحة ولا إشكال، ولذلك عدلَ السيوطي رحمه الله عن قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت