يُوصف بالفصاحة الكلام كما قال الناظم هنا؛ لأنه يَرِدُ عليه الجملة التي ليست بكلام: زيدٌ قام أبوه، هذه جملة كبرى لوقوع الخبر فيها جملة، تسمى: جملةً كبرى، ونفسُ جملة الخبر تُسمى: جملةً صغرى، الجملة الكبرى: زيدٌ قام أبوه نقول: هذا مركّب تركيب إسنادي تام. يعني: كلام في اصطلاح النحاة: كلامنا لفظٌ مفيدٌ يصدُقُ على هذا التركيب، أما: قام أبوه من قول: زيدٌ قام أبوه، هذه تُسمى جملةً ولا تُسمى كلامًا، لماذا؟ لأنها هي أحد جزئي الإسناد، والإسناد التام لا يتأتّى إلا من مسندٍ ومسندٍ إليه. أما هذه فهي المسند: زيدٌ قام أبوه."قام أبوه"هذا مسند فقط، وإن كانت في نفسها قبل جعلها خبرًا هي كلامٌ مفيد.
لو قيل: قام أبو زيدٌ، كلامٌ مفيد أم لا؟ كلامٌ مُفيد مستوفٍ لما اشترطه النحاة في حد الكلام، لكن لما جُعلت هذه الجملة جزءَ جملةٍ خرجت عن الفائدة التامة فصارت فائدتها ناقصة، ولا يكون الكلامُ كلامًا إلا إذا أفاد فائدةً تامّة، الكلام: هو اللفظ المركب المفيد، المفيد يعني: فائدة تامة، حيث يحسن السكوت من المتكلم أو السامع أو منهما، أقوال ثلاثة. بحيث لا يصير السامع منتظرًا لشيء آخر انتظارًا تامًا، قام أبوه: تُوصفُ بأنها جملةٌ فصيحة، هل هي كلام؟ لا، ليست بكلام.
كذلك: جاء غلامُ زيدٍ، نقول: هذا التركيب فصيح، غلام زيدٍ وحده الفاعل: هذا مركب تركيب إضافي، هل يوصف بكونه فصيحًا أم لا؟ نقول: يوصف بكونه فصيحًا، أين يدخلُ في الحد المفرد أم المركب؟ قبل العدول عن المركّب نقول: هل يدخل فيه حد المفرد أم الكلام؟ لا في هذا ولا في ذلك؛ لأنه مركب، والمفرد قلنا: لا بد أن نفسِّره هنا بما عليه أهل اللغة، لا بما عليه أهل المناطقة، لماذا؟ لأن بحثنا في اصطلاح أهل اللغة، والمفرد هنا يُفسَّر باللفظة الوحدة؛ الكلمة الواحدة، فحينئذٍ لا يدخلُ فيه التركيب الإضافي، ولا الجملة التي هي جزء كلام، ولا التركيب التوصيفي، ولا يدخل أيضًا في الكلام؛ لأن الكلام المراد به هنا: الكلام الاصطلاحي، فنحتاج إلى تعميمٍ يشمل الجملة التي ليست بكلام والمركبات الأخرى.
فعدلَ السيوطي تنكيتًا على صاحب الأصل من لفظ الكلام إلى المركب ليشملَ الكل، لكن إذا جئنا ونقرر حدَّ البلاغة، نقول: البلاغة لا تكون في المفرد، وتكون في الكلام وفي المتكلِّم، طيب! الجملة التي ليست بكلام، قام أبوه من قولك: زيدٌ قام أبوه، هل تُوصفُ بالبلاغة؟ أكثر مَن كتبَ على التلخيص لم يُقيِّد هذا، لكن السيوطي رحمه الله ألزم .. هو قال: يَردُ على ابن السبكي: أن القياس: أن ينتفي وصف البلاغة عمّا عدا الكلام الاصطلاحي، كل ما عدا الكلام الاصطلاحي من المركبات التي ليست بتامة، ينبغي أن لا توصف بالبلاغة، لماذا؟
لأن البلاغة: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، فحينئذٍ لا يكون مطابقًا لمقتضى الحال إلا إذا جاء مستوفيًا للمعاني والأغراض التي صيغت له، وحينئذٍ يستلزم أن يكون كلامًا تامًا، فيستقلُّ الكلام الاصطلاحي المعروف بوصف البلاغة دون المركب الإضافي ودون الجملة التي ليست بكلام، فإذا قيل: غلامُ زيدٍ، كيف يقول هذا أنه يوصف بالبلاغة؟
وجَعَلُوا بَلاغَةَ الكَلامِ ... طِباقَهُ لِمُقتَضى المَقامِ