إذن: عندنا حال، وعندنا مقتضى الحال، هذه الأمور باستقراء كلام العرب حصرَها البيانيون فيما سيأتي في علم المعاني، لماذا؟ قالوا: لأن مقامات الكلام تختلف، وعليه يختلفُ المقتضى .. مقامات الكلام تختلف ويلزمُ على ذلك اختلاف مقتضى الحال، قالوا: مقامُ التنكير يخالفُ ويباينُ مقام التعريف، إذا كان الحال عند المخاطب يقتضِي أن أتكلم بمسندٍِ إليه نكرة، أو بمسندٍ معرفة، نقول: الكلام والإتيان بالتعريف يُباين ويخالِف الكلام والإتيان بالتنكير، خالفنا بين التعريف والتنكير في الكلام؛ لأن ثم ما يقتضي أن يكون الكلام نكرةً أو أن يكون معرفةً.
إذن نقول: مقام التنكير يباين ويخالف مقام التعريف، ومقام الذكر المسند إليه أو المسند، يخالف مقام الحذف، حذف المسند إليه أو المسند، ومقامُ التقديم يخالف مقام التأخير، ومقامُ الوصل بين الجمل .. بين الجملتين فأكثر يخالف مقام الفصل، ومقام الإيجاز يخالف مقام الإطناب والمساواة، وخطاب الذكي يخالف خطاب الغبي، وخطاب الغبي يخالف خطاب الذكي، وكلُّ كلمةٍ مع كلمةٍ أخرى لها معنى لو صاحبت غيرها لكان لها معنىً آخر.
مثّلوا لذلك بما إذا كان الفعل قد اقترنَ به أداةُ شرطٍ كـ (إن) أو (إذا) قام .. إن قام، إذا قام، قام: هذا فعل واحد، لو أدخلت عليه أداة شرط (إن) هل هو عين الفعل إذا دخلت عليه أداة شرط (إذا) ؟ لا، لماذا؟ لأن الفعل مع (إن) الدالة على الشك، ليس كالفعل مع (إذا) الدالة على التحقق والثبوت، أليسَ كذلك؟ إن قام زيدٌ هذا مَشكوك فيه، إذا قام زيدٌ هذا مرجوُّ الوقوع والثبوت، ولذلك يجيء في القرآن كثيرا: (( فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ) ) [الأعراف:131] ويُعبّر في جانب السيئة: (( وَإِنْ تُصِبْهُمْ ) ) [النساء:78] (( فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ) ) [الأعراف:131] فإذا جاءتهم، انظروا عبّر في جانب الحسنة بـ (إذ) والفعل الماضي، لماذا؟ لتحققها؛ لأنهم لا يخلون عن حسنةٍ ظاهرة أو باطنة، وفي مقام السيئة يعبَّر بالفعل المضارع مع (إن) (( وَإِنْ تُصِبْهُمْ ) ) [الأعراف:131] ولم يقل: وإن أصابتهم؛ لأن"تصب"هذا فعل مضارع غير محقق الوقوع، إذن: قد تصبهم وقد لا تصبهم.
إذن: هذه المقامات مختلفة، فحينئذٍ يلزمُ من ذلك أن يكون المقتضى مختلِفٌ بحسب اختلاف المقامات، المقامات: هذا وصفٌ للحال، مقام يقتضي أن يكون المسند إليه أو المسند نكرةً، ومقام يقتضي أن يكون المسند إليه أو المسند معرفةً، بينهما فرق، وإن اتفقا في أصل المعنى، يعني: الجملة الاسمية والجملة الفعلية في الدلالة على أصل المعنى متفقتان، قام زيدٌ .. زيدٌ قائمٌ، هل بينهما فرق في الدلالة على أصل المعنى؟ لا، ثبوت القيام لزيد، دلّت عليه قام زيد وزيدٌ قائمٌ، لكن"قام زيدٌ"هذا دل على أن القيام وقع في الزمن الماضي وانتهى، وأن الجملة الفعلية تدل على الحدوث لا على الاستمرار، زيدٌ قائمٌ غير مقيّد بزمن ماضٍ، بل الأصل في اسم الفاعل أن يدلّ على الحال أو الاستقبال، دلالة الجملة الاسمية على الاستمرار .. كل هذه زوائد على أصل المعنى.