قال الترمذي - رحمه الله - بعد حديث أبي هريرة المتقدم: (وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم، ألا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر؛ أن يكون على غير وضوء أو أمر لابد منه) أهـ [1] .
أما من خرج لعذر شرعي كوضوء فقد ورد الدليل بجوازه، وهو ما دل عليه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال:"على مكانكم"فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء، وقد اغتسل [2] .
وكذا يجوز الخروج لمن كان إمامًا في مسجد آخر حضر درسًا أو محاضرة؛ لأن هذا عذر شرعي داخل في عموم الحاجة المنصوص على استثنائها.
وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج، لحاجة، وهو لا يريد الرجعة فهو منافق" [3] .
وعن سعيد بن المسيب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق، إلا أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع" [4] .
والمعنى: أن فعله هذا فعل المنافق؛ إذ المؤمن حقًا ليس من شأنه ذلك، فالنفاق هنا النافق العملي، وليس الاعتقادي، والله أعلم [5] .
وبعض المؤذنين إذا أذن خرج إلى بيته أو لشغله، وهذا وإن كان يريد الرجوع لكن الأولى في حقه عدم الخروج؛ لأنني أخشى أن يكون خروجًا لغير حاجة، بل دعت إليه العادة والملل من الجلوس في المسجد حتى الإقامة في غالب المساجد، والمؤذن أولى بالامتثال من غيره؛ لأنه يدعو الناس إلى حضور الصلاة والمبادرة إليها، ثم هو يخرج ولا يعود إلا قبيل الإقامة. فينبغي التنبيه لذلك، والتنبيه عليه.
(1) جامع الترمذي (1/ 608 مع التحفة) .
(2) أخرجه البخاري رقم (613) ، ومسلم رقم (605) .
(3) أخرجه ابن ماجه (1/ 123 صحيح ابن ماجه) ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1/ 179) .
(4) رواه أبو داود في المراسيل (ص82) ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1/ 179) .
(5) قاله الألباني في المصدر المذكور.