الحكم الثالث والعشرون
لا يهجر المسجد الذي يليه
تقدم أول الكتاب أن من حكم مشروعية صلاة الجماعة حصول الألفة بين الجيران وأهل المحلة الواحدة، فيتعرف بعضهم على أحوال بعض، فيقومون بإغاثة الملهوف وعيادة المريض، وتفقد أحوال العاجز، كما يظهر في صلاة الجماعة الاجتماع والبعد عن التفرق والاختلاف، ثم التعاون على الطاعة، وهذا وغيره إنما يتم إذا صلى أهل المحلة الواحدة في مسجد واحد، ومن هنا رغب الإسلام المسلم في أن يؤدي صلاة الجماعة في المسجد الذي يليه، ولا يتخطاه إلى غيره، إلا لغرض شرعي مطلوب. وقد ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ليصل أحدكم في مسجده، ولا يتتبع المساجد" [1] .
إن تخطي الإنسان المسجد الذي بجواره إلى مسجد آخر يترتب عليه أمران محذوران في نظر الإسلام [2] :
الأول: هجر المسجد الذي يليه، فإذا ذهب هذا، وذهب هذا أدى ذلك إلى خلو المسجد عن جماعته، لا سيما مع قلتهم، ولا ريب أن عمارة المسجد، والتعاون على الطاعة، وتنشيط المتكاسل كل ذلك من المطالب العظيمة التي يتحقق بها قوله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتقوى} [3] .
الثاني: إيحاش صدر الإمام، وإساءة الظن به، والوقوع في عرضه وذلك بالخوض في الأسباب التي جعلت هذا الإنسان يتخطى مسجده إلى مسجد آخر، وقد يفتعل أسبابًا يبرر بها تصرفه، والإمام منها بريء، وهذا أمر ملاحظ، فإن الغالب أن من يتخطى مسجده إلى مسجد آخر بصفة دائمة إنما هو لسبب بينه وبين الإمام، لا لغرض شرعي.
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (12/ 370) ، والأوسط (6/ 82، 83) وصححه الألباني في"السلسلة الصحيحة" (5/ 234) و"صحيح الجامع"رقم (5332)
(2) ذكرها ابن القيم في"إعلام الموقعين" (3/ 160) بإيجاز في كلامه على سد الذرائع، وللشيخ بكر أبو زيد كلام في هذه المسألة في كتابه (مرويات دعاء ختم القرآن) ص (80) .
(3) سورة المائدة: الآية 2.