فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 228

الحكم السادس

صلاة تحية المسجد

ومن آداب حضور المساجد - وهي بيوت الله تعالى وأمكنه عبادته - أن يصلي الداخل ركعتين تعظيمًا لله تعالى، وإكرامًا لموضع العبادة. وهذه الصلاة هي تحية المسجد؛ لأن الداخل يبتدئ بهما كما يبتدئ الداخل على القوم بالتحية.

وقد دلّ على مشروعية تحية المسجد حديث أبي قتادة السلمي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين". وفي رواية:"فيركع ركعتين قبل أن يجلس" [1] .

ويتعلق بتحية المسجد مسائل مهمة أبينها - بتوفيق الله تعالى - كما يلي:

المسألة الأولى: حكم تحية المسجد

جمهور العلماء على أن تحية المسجد من السنن المندوب إليها وليست واجبة. قال في فتح الباري: (اتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب) [2] . وقال ابن دقيق العيد: (وجمهور العلماء على عدم الوجوب لهما) [3] . وقال النووي: (إنه إجماع المسلمين) [4] . ولكن نقل الإجماع فيه نظر، فقد نقفل ابن بطال عن أهل الظاهر قولهم بالوجوب [5] . وحكى ذلك القاضي عياض عن داود وأصحابه [6] ، والذي صرح به ابن حزم خلافه [7] وعمدة الجمهور في عدم الوجوب:

1)حديث عبد الله بن بسر - رضي الله عنه - قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اجلس فقد آذيت"وفي رواية:"وآنيت" [8] . أي: أبطأت وتأخرت.

ووجه الدلالة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمره بالجلوس ولم يأمره بتحية المسجد فدلّ على أنها غير واجبة.

2)حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قصة الأعرابي، وهو ضمام ابن ثعلبة لما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يجب عليه من الصلاة فأجابه - صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس، فقال: هل علي غيرها؟ قال:"لا، إلا أن تطوّع" [9] .

ومن قال بالوجوب استدل بما يلي:

1)حديث أبي قتادة المذكور، وقد ورد بلفظ الأمر"فليركع ركعتين"وبلفظ النهي"فلا يجلس"، والأمر عند الإطلاق للوجوب، والنهي عند الإطلاق للتحريم؛ وحديث أنس في قصة الأعرابي لا يصلح أن يكون صارفًا كما سيأتي إن شاء الله.

2)حديث جابر - رضي الله عنه - قال: دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال:"أصليت؟"قال: لا. قال:"فصلّ ركعتين". والرجل هو: سليك الغطفاني، كما وقع مسمى عند مسلم [10] .

ووجه الدلالة: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر سليكًا بتحية المسجد بعدما جلس، وقطع الخطبة لأجل سؤاله وأمره بالصلاة. وهذا من مؤكدات الإيجاب. ولو سقطت التحية في حال لكان هذا الحال أولى بها؛ فإنه مأمور باستماع الخطبة، فلما ترك لها استماع الخطبة دل على تأكدها.

(1) أخرجه البخاري رقم (433) ، ومسلم رقم (714) .

(2) فتح الباري (1/ 537) .

(3) إحكام الأحكام (2/ 467) .

(4) شرح مسلم (5/ 233) .

(5) شرح ابن بطال على صحيح البخاري (2/ 93) .

(6) شرح القاضي عياض على صحيح مسلم (3/ 49) .

(7) المحلى (2/ 231) .

(8) أخرجه أبو داود (3/ 467) ،والنسائي (3/ 103) ، وأحمد (4/ 188) . والزيادة له، والحديث إسناده حسن، وله شواهد، وصححه ابن خزيمة (3/ 156) .

(9) أخرجه البخاري رقم (46) ، ومسلم رقم (11) .

(10) أخرجه البخاري رقم (930) ، ومسلم رقم (875) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت