وقد أجاب القائلون بالوجوب عن أدلة الأولين بما يلي:
1)أما حديث"اجلس فقد آذيت"فلا دلالة فيه صريحة على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن المراد"اجلس"أي: لا تتخط. ولم يقصد ترك التحية، أو أن المراد: اجلس بشرط الجلوس المفهوم من قوله:"فال يجلس حتى يصلي ركعتين"، ولاحتمال أن يكون هذا الصحابي صلّى التحية في جانب من المسجد قبل وقوع التخطي منه، أو أنه كان ذلك قبل الأمر بها والنهي عن تركها، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، لاسيما والحديث معارض بمثل حديث جابر في قصة سليك وحديث أبي قتادة، ودلالتهما أصرح [1] .
2)وأما حديث أنس في قصة الأعرابي فعنه ثلاثة أجوبة:
-إن التعاليم الواقعة في مبادئ الشريعة لا تصلح لصرف ما تجدد من الأوامر عن الوجوب؛ لأن الشريعة كانت شيئًا فشيئًا وغلا لزم على ذلك أن واجبات الشريعة هي ما ذكر في حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة من حصرًا باعتبار وقت السؤال، ولم يقل: إنه لا يجب عليه ما يوجبه الله على عباده بعد ذلك، بل ما أجبه الله وجب. ولا ريب أن واجبات الشريعة قد بلغت أضعاف أضعاف تلك الأمور.
-إن قوله:"إلا أن تطوع"ينفي وجوب الواجبات ابتداء لا الواجبات بأسباب يختار المكلف فعلها، كتحية المسجد - مثلًا -.
-إن جماعة من المتمسكين بحديث ضمام بن ثعلبة في صرف الأمر عن الوجوب في حديث أبي قتادة قالوا بوجوب صلوات خارجة عن الخمس، كالجنازة وركعتي الطواف والعيدين. فما أجابوا به عن إيجاب هذه الصلوات هو جواب الموجبين لتحية المسجد، والله أعلم [2] .
قال ابن دقيق العيد على حديث أبي قتادة: (ولا شك أن ظاهر الأمر الوجوب وظاهر النهي التحريم، ومن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى دليل) [3] .
(1) انظر فتح الباري (2/ 409) .
(2) انظر نيل الأوطار (3/ 79) .
(3) إحكام الأحكام (4/ 468) .