الحكم العشرون
اختلاف نية الإمام والمأموم
من أحكام دخول المسجد التي ينبغي العلم بها أنه لا يشترط اتحاد نية الإمام والمأموم، وأن اختلاف نية الإمام عن المأموم لا يمنع صحة الاقتداء، فالمفترض يأتم بالمتنفل، والمتنفل يأتم بالمفترض، والمفترض يقتدي بمفترض آخر، فهذه ثلاث حالات:
فالأولى: كما لو دخل إنسان المسجد، والإمام يصلي التراويح، فله أن يصلي العشاء خلفه ركعتين، ثم يقوم فيتم ركعتين، وهذا قول الإمام الشافعي وأصحابه، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، رحم الله الجميع [1] ، وذلك لما ورد عن جابر - رضي الله عنه: أن معاذًا - رضي الله عنه كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة" [2] ."
كما يدل على ذلك - أيضًا - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلّى بالطائفة الثانية صلاة الخوف، وهي له نافلة، فإنه صلى بطائفة وسلم، ثم صلى بطائفة أخرى وسلم [3] .
وأما حدث"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" [4] ، فلا دليل فيه على عدم الجواز؛ لأنه محمول على الاختلاف في الأفعال الظاهرة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فسّره بذلك، كما في تمام الحديث، وعلى تقدير أنه عام في اختلاف النيات والأفعال الظاهرة، فهو مخصوص بمثل حديث جابر المذكور، ولا تعارض بين العام والخاص.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (والذين منعا ذلك ليس لهم حجة مستقيمة، فإنهم احتجوا بلفظ لا يدل على محل النزاع، كقوله:"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، وبأن"الإمام"
(1) المجموع شرح المهذب (4/ 269) ، والمغني (3/ 67) ، ومجموع الفتاوى (23/ 386) .
(2) رواه البخاري (668) ، ومسلم (465) . وانظر: فتاوى ابن باز (12/ 181) .
(3) رواه أبو داود (4/ 126) ، والنسائي (3/ 178) ، وصححه الألباني في"صحيح أبي داود" (1/ 232) ، وانظر كلام ابن القيم عليه في تهذيب السنن (4/ 126) بهامش عون المعبود).
(4) تقدم تخريجه.