الحكم الخامس والعشرون
في المسألة في المسجد
المساجد بيوت الله تعالى، بنيت لذكره ودعائه وعبادته، لا للتكسب وجمع حطام الدنيا، ولذا منع البيع والشراء، ونشد الضالة، وسار الصناعات في المساجد؛ لهذا المعنى.
وبناء على ذلك فالمساجد لا تصلح مكانًا للسؤال، وجمع المال، مع ما في ذلك من إيذاء المصلين والذاكرين والتشويش عليهم.
وقد وردت النصوص بجواز إعطاء الفقير من غير مسألة، وذلك بأن يعرف فقره وحاجته، فيعطى زكاة أو صدقة ونحو ذلك، أو تقسم أموال في المسجد، فيعطى مع الناس، فله أن يأخذ ما يأتيه.
ويدل لذلك ما ورد عن أنس - رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بمال من البحرين، فقال:"أنثروه في المسجد"وكان أكثر مال أتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله، أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"خذ"، فحثا في ثوبه ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، اؤمر بعضهم يرفعه إليّ، قال:"لا"، قال: فارفعه أنت عليّ، قال:"لا"فنثر منه ثم احتمله، فألقاه على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبًا من حرصه فما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثمّ منها درهم [1] .
وقد بوب البخاري - رحمه الله - على هذا الحديث بقوله: (باب القسمة وتعليق القنو في المسجد) .
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله: (المقصود بهذا الباب: أن المسجد يجوز أن يوضع فيه أموال الفيء وخمس الغنيمة وأموال الصدقة ونحوها من أموال الله التي تقسم بين مستحقيها) وقال: (وفي الحديث جوز قسم مال الفيء في المسجد ووضعه فيه، وهو مقصود البخاري بتخريج هذا الحديث فيه) [2] .
(1) أخرجه البخاري (1/ 516) فتح.
(2) فتح الباري لابن رجب (3/ 154) .