فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 228

وما تقدم من النهي عن الكلام في المسجد لا يعني أن الكلام يحرم فيه بل هو مباح - على الراجح من قولي أهل العلم - إذا خلا من المحاذير السابقة، وهي التشويش على المصلين أو الإعراض عن الصلاة والتشاغل عنها، لكن لا بد من ملاحظة أن المساجد لم تبن إلا لذكر الله تعالى والصلاة، وما يتبع ذلك من تدريس العلم، وموعظة الناس، وقد ورد عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر ابن سمرة: أكنت تجالس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم، كثيرًا كان لا يقوم من مصلاه، الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون، ويبتسم [1] .

قال القرطبي: (هذا الفعل منه - صلى الله عليه وسلم - يدل على استحباب لزوم موضع صلاة الصبح، للذكر والدعاء إلى طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت وقت لا يصلّى فيه، وهو بعد صلاة مشهودة، وأشغال اليوم بعد لم تأت، فيقع الذكر والدعاء على فراغ قلب وحضور فهم، فيرتجى فيه قبول الدعاء، وسماع الأذكار. .) .

ثم نقل عن بعض العلماء كراهة الحديث في هذا الوقت، وأن قوله"وكانوا يتحدثون. ."فصل آخر من سيرة أخرى في وقت آخر. . ثم قال: (وهذا فيه نظر، بل يمكن أن يقال: إنهم في ذلك الوقت كانوا يتكلمون؛ لأن الكلام فيه جائز غير ممنوع، إذ لم يرد في ذلك منع، وغاية ما هنالك أن الإقبال في ذلك الوقت على ذكر الله تعالى أفضل وأولى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الكلام مطلوب الترك في ذلك الوقت. والله تعالى أعلم) [2] .

(1) أخرجه مسلم (670) .

(2) انظر: شرح القاضي عياض على صحيح مسلم (2/ 646) ، والمفهم (2/ 295) ، هذا وأما حديث:"الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"فلا أصل له. كما قال العراقي في تخريج أحاديث"الإحياء" (1/ 152) وكذا قال غيره من أئمة الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت