الحكم السادس عشر
في الفصل بين الفريضة والنافلة
دلت نصوص الشريعة على أنه ينبغي لمن صلى الفريضة أن يتحول عن مكانه لصلاة النفل إذا كانت النافلة في المسجد، فإن حصل بينهما بكلام كفى، والمراد به: التحدث مع الآخرين؛ لأنه أبلغ في الفصل، وأبعد عن جنس الصلاة. والحال الأول أكمل، وذلك ليحصل تمييز بين الفريضة والنافلة، وهذا مقاصد الشريعة في مشروعية هذا الحكم.
ولا فرق في ذلك بين الإمام والمأموم، ولا بين الرجل والمرأة، لعموم الأدلة.
وقد دل على ذلك ما ورد عن عمر بن عطاء أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأل عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت من مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إليّ، فقال: لا تعد لما فعلت؛ إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بذلك؛ أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج [1] .
قال النووي: (فيه دليل لما قاله أصحابنا: إن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها من موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره، ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة، وقوله:"حتى يتكلم"دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام - أيضًا - ولكن بالانتقال أفضل؛ لما ذكرناه، والله أعلم) [2] .
وعن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر، فقام رجل يصلي، فرآه عمر فقال له: اجلس، فإنما هلك الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أحسن ابن الخطاب" [3] .
(1) أخرجه مسلم (883) .
(2) شرح النووي على مسلم (6/ 420) .
(3) أخرجه أحمد (5/ 368) بإسناد صحيح، وأخرجه أبو داود (3/ 309 عون) مطولًا، ولم يذكر أنها صلاة العصر. انظر: تنبيه القارئ ص (164) ، للشيخ عبد الله الدويش - رحمه الله -.