وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: من صلى المكتوبة ثم بدا له أن يتطوع فليتكلم، أو فليمش، وليصلّ أمام ذلك. قال: وقال ابن عباس: إني لأقول للجارية: انظري كم ذهب الليل؟ ما بي إلا أن أفصل بينهما [1] .
فهذه الأدلة بينت مسألتين:
الأولى: أن الفصل بين الفريضة والنافلة قد يكون بالزمان، وقد يكون بالتحول من مكان إلى مكان، وقد يكون بالكلام، ففي الحديث الأول الفصل بالتقدم من موضع إلى موضع، وفي الثاني الفصل بالزمان، فإن الظاهر أن عمر - رضي الله عنه - لم يرد بالفصل فصلًا بالتقدم؛ لأنه قال له: اجلس، ولم يقل: تقدم أو تأخر [2] ، وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - الفصل بالكلام كما في حديث معاوية - أيضًا - وظاهره أنه لا يحصل الفصل بالذكر بعد الصلاة، وإلا لما احتاج ابن باس على مخاطبة الجارية [3] . ويمكن أن يحمل هذا على الأكمل، والله اعلم.
وأكمل أنواع الفصل أن يتحول الإنسان إلى بيته فيصلي فيه النافلة؛ لما ورد عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" [4] .
وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا" [5] .
وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فيجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا" [6] .
قال القرطبي: (والخير الذي يجعل في البيت بسبب التنقل فيه هو: عمارته بذكر الله، وبطاعته، بالملائكة، وبدعائهم واستغفارهم، وما يحصل لأهله من الثواب والبركة) [7] أهـ.
(1) أخرجه عبد الرازق (2/ 416) وابن أبي شيبة (1/ 89) وإسناده صحيح.
(2) انظر: إعلام أهل العصر ص (117) .
(3) انظر: رسالة"حكم الفصل بين الفريضة والنفل"ص (21) .
(4) أخرجه البخاري (731) ومسلم (781) .
(5) أخرجه البخاري (432) ومسلم (777) .
(6) أخرجه مسلم (778) .
(7) المفهم (2/ 411) .