الحكم الثالث
التنفل قبل دخول الإمام
إذا وصل إلى مكانه في الصف صلى ما كتب له نفلًا غير مقيد بعدد، دل على ذلك حديث سلمان المتقدم قريبًا:"ثم يصلي ما كتب له"، وفي حديث أبي أيوب الذي سبق ذكره في الكلام على اللباس:"ثم يركع ما بدا له". فدل ذلك على مسألتين:
الأولى: أن المستحب لمن دخل المسجد يوم الجمعة أن يصلي قبل أن يجلس ما شاء حتى يخرج الإمام، وهذا نفل مطلق، وليس بسنة للجمعة؛ لأن الجمعة ليس لها سنة قبلية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد؛ لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله، وهو لم يسن في ذلك شيئًا لا بقوله ولا بفعله، وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور في مذهب أحمد. .) [1] .
وما يفعله بعض الناس - ولا سيما في المسجد الحرام - من صلاته ركعتين أو أربع بعد الأذن الأول يوم الجمع مباشرة؛ معتقدين أن ذلك سنة للجمعة قبلها كما يصلون قبل الظهر، فهذا لا أصل له، كما تقدم، ولا دليل لهم في حديث: بين كل أذانين صلاة" [2] ؛ لأن المراد بالحديث: الأذان والإقامة. وعلى فرض أن المراد بذلك الأذانان فلا يصح الاستدلال به أيضًا؛ لأنه لم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة سوى الأذان الأول والإقامة فيعتذر فعل السنة؛ لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة فلا صلاة بينهما [3] ."
يقول ابن الحاج رحمه الله في كتابه"المدخل": (وينهى الناس عما أحدثوه من الركوع بعد الأذان الأول للجمعة؛ لأنه مخالف لما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم؛ لأنهم كانوا على قسمين: فمنهم من كان يركع حين دخوله المسجد، ولا يزال كذلك حتى يصعد الإمام المنبر، فإذا جلس عليه قطعوا تنفلهم،
(1) مجموع الفتاوى (24/ 189) ، وراجع الأجوبة النافعة للألباني.
(2) الحديث مضى تخريجه.
(3) انظر الصحيحة للألباني رقم (232) .