ثم لا أدري ما حكم هذه الركعة التي ترك فيها هذا المتساهل قراءة الفاتحة مع إمكانه؟ تقدم الخلاف في هذه المسألة، لكني أخشى بطلان هذه الركعة التي لم يقرأ فيها هذا المصلي الفاتحة تساهلًا وتشاغلًا، لأن الخلاف ينبغي أن يكون فيمن دخل المسجد فوجد الإمام في الركوع فركع معه، فهذا معذور بفوات محل القراءة وهو القيام، أما هذا فلم يمتثل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا"فهو لم يكبر مع إمامه، ولم يقرأ دعاء الاستفتاح، ولم يقرأ الفاتحة مع إمكانه، فأي ركعة هذه؟ بل وأي صلاة هذه؟
ومن المأمومين من اعتاد رفع الصوت في أثناء الصلاة بالقراءة أو الذكر أو الدعاء فيشوش على من بجانبه ويخلّط عليه، وإذا كان هذا بصفة دائمة فهو خلاف السنة، فإن السنة المخافتة باتفاق المسلمين، لا سيما إذا كان الجهر فيه أذية.
لكن لو جهر المأمور أحيانًا بشيء من الذكر فلا بأس، فقد ثبت أن من الصحابة المأمومين من جهر بدعاء حين افتتاح الصلاة، وعند رفع رأسه من الركوع ولم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد ورد عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما رفع رأسه من الركعة قال:"سمع الله لمن انصرف قال:"من المتكلم"؟ قال: أنا، قال:"رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" [1] ."
قال في فتح الباري: (استدل به على جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه) [2] أهـ. وهذا إذا لم يكن بصفة دائمة وإلا حصل التشويش قطعًا [3] .
ومن التشويش أن يكبر المسبوق بصوت مرتفع إذا أراد الدخول في الصلاة، وقد يكون المصلون مع الإمام في السجود، فإذا سمعوا تكبير المسبوق ظنوه تكبير الإمام فرفعوا رؤوسهم قبل أن يرفع الإمام من السجود [4] .
ومن التشويش على المصلين - أيضًا - عدم إغلاق الوسائل الحديثة للاتصال كجهاز الهاتف النقال، والنداء، فينبغي للمصلي إغلاقها قبل دخوله المسجد، لئلا يشوش على نفسه وعلى غيره من إخوانه المصلين.
(1) أخرجه البخاري (2/ 284) .
(2) فتح الباري (2/ 287) .
(3) المصدر السابق.
(4) المسجد في الإسلام (ص83) .