فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 228

أما إذا سأل الفقير في المسجد فإن من أهل العلم من منع السؤال والإعطاء مطلقًا، ولعل القائلين بذلك نظروا على العمومات الدالة على صيانة المسجد من كل ما سوى العبادات، وأقرب شيء تقاس المسألة عليه قياسًا جليًا نشد الضالة، والجامع بينهما: البحث والمطالبة بأمر مادي دنيوي، والعلة في المقيس أظهر؛ لأن ناشد الضالة يبحث عن ماله دون شبهة، ومع ذلك أمر الشارع بالدعاء عليه بالا ترد عليه، أما السائل فهو لا يطلب ماله، بل يطلب أموال الناس.

ومن أهل العلم من رخّص إذا كان السائل مضطرًا، ولم يحصل بسؤاله في المسجد ضرر، من إيذاء المصلين والتشويش عليهم، أو المرور أو المرور بين أيديهم ونحو ذلك [1] .

واستدلوا على ذلك بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا"؟!! فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز بيد عبد الرحمن فأخذتها منه، فدفعتها إليه [2] .

قالوا: فهذا دليل على أن الصدقة على الفقير في المسجد ليست مكروهة، وأن السؤال في المسجد جائز؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أقرّ أبا بكر - رضي الله عنه - عليها، ولو كانت حرامًا لم يقرّ عليها، بل كان يمنع السائل من العود إلى السؤال في المسجد [3] .

ولكن هذا الحديث ضعيف، وعلى هذا فالقول بالمنع وجيه جدًا؛ تأكيدًا لحرمة المسجد، وردعًا لذوي النفوس الضعيفة عن اتخاذهم المسجد مكانًا للتكسب، ولا سيما في زماننا هذا؛ فإن الكذب في هذا الزمان كثير، والحيل متعددة.

فإن جلس السائل في زاوية المسجد، أو عند بابه فلا بأس بإعطائه، أما من يشوش على المصلين، ويقطع عليهم تلاوتهم وذكرهم، أو يمر بين أيديهم وهم يصلون، ويلح عليهم بإعطائه فالقول بمنعه وزجره وجيه جدًا.

(1) فتح الباري لابن رجب (3/ 157) الحاوي (1/ 90) أحكام المساجد في الإسلام ص (269) .

(2) أخرجه أبو داود (1670) والحاكم (1/ 412) وعنه البيهقي (4/ 199) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال النووي في"شرح المهذب" (1/ 176) رواه أبو داود بإسناد جيد وتعقبه الألباني في"الضعيفة"رقم (1458) وحكم على الحديث بأنه منكر؛ لأنه من رواية مبارك بن فضالة. وقد ضعفه أحمد والنسائي، وكان يدلس، وقد رواه بالعنعنة. ثم هو ليس من رجال مسلم. والله أعلم.

(3) انظر: الحاوي (1/ 89) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت