قال في المغني:(وإن كان في قصد غيره - أي غير مسجده - كسر قلب إمامه أو جماعته فجبر قلوبهم أولى، وإن لم يكن كذلك فهل الأفضل قصد الأبعد أو الأقرب؟ فيه روايتان:
إحداهما: قصد الأبعد، لتكثر خطاه في طلب الثواب، فتكون حسناته أكثر.
والثانية: الأقرب؛ لأن له جوارًا، فكان أحقّ بصلاته، كما أن الجار أحقّ بهدية جاره ومعروفه من البعيد. .) [1] .
وظاهرة تخطي المسجد الذي يليه تكثر في شهر رمضان المبارك عندما يتتبع الناس المساجد طلبًا لحسن الصوت في صلاة التراويح، أو صلاة التهجد، وأدى ذلك إلى هجر مساجد أخرى وخلوها من المصلين، وفي ذلك تفريق الجماعة وإضعاف نشاطهم ورغبتهم، ثم إنه انصراف من شاء الله من عباده عن الخشوع في الصلاة وحضور القلب إلى التعلق بمتابعة الصوت الحسن لذات الصوت، فأدى ذلك إلى تكرّه النفوس للصلاة خلف إمام لا يستحسن صوته [2] ، ومن الناس من لا يستقر على إمام معين فيظل ينتقل من مسجد إلى آخر طوال الشهر، وربما خرج من بعض المساجد قبل انصراف الإمام ونهاية التراويح؛ لأنه لم يعجبه صوته، فالله المستعان.
وقد ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد عن محمد بن بحر قال: رأيت أبا عبد الله في شهر رمضان، وقد جاء فضل بن زياد القطان بأبي عبد الله التراويح، وكان حسن القراءة، فاجتمع المشايخ وبعض الجيران حتى امتلأ المسجد، فخرج أبو عبد الله، فصعد درجة المسجد، فنظر على الجمع، فقال: ما هذا؟ تدعون مساجدكم وتجيئون إلى غيرها، فصلى بهم ليالي، ثم صرفه كراهية لما فيه - يني من إخلاء المساجد، وعلى جار المسجد أن يصلي في مسجده [3] .
أما إذا وجد غرض صحيح لتخطي الإنسان مسجده إلى مسجد آخر، مثل أن يكون إمام مسجده لا يتم الصلاة [4] ، أو يرتكب بعض المخالفات، أو ضعيفًا في القراءة ونحو ذلك فلا بأس إن شاء الله، أو كان
(1) المغني (3/ 9) .
(2) انظر الرسالة القيمة المذكورة: للشيخ بكر أبو زيد (ص54) .
(3) انظر بدائع الفوائد (4/ 149) .
(4) انظر: مجموع الفتاوى (23/ 342) .