أما السفر بعد الزوال فيحرم على من تلزمه الجمعة قبل أن يصليها، على قول الجمهور من أهل العلم؛ لأنه بعد الزوال يكون قد دخل الوقت بالاتفاق، والغالب أن الإمام يحضر بعد الزوال، فيكون بسفره قد تعمد ترك الواجب، ويستدل على ذلك - أيضًا - بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [1] .
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالسعي إلى الجمعة وترك البيع؛ لأنه ذريعة على التشاغل عنها وعدم حضورها، فكذلك ينهى عن السفر إذا نودي للصلاة، لأنه مانع من حضورها، وتعليق الحكم بالنداء أولى من تعليقه بالزوال [2] .
واعلم أنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر يوم الجمعة شيء [3] ، وما ورد من ذلك فهو ضعيف، فلا يعول عليه، ومن ذلك ما ورد من دعاء الملائكة على من سافر يوم الجمعة بأن لا يصحب في سفره، ولا تقضي له حاجة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وبمعناه حديث ابن عمر - رضي الله عنهما [4] .
قال الشوكاني، بعد ذكر الأقوال في حكم السفر يوم الجمعة:(والظاهر جواز السفر قبل دخول وقت الجمعة، وبعد دخوله، لعدم المانع من ذلك، وحديث أبي هريرة، وكذلك حديث ابن عمر لا يصلحان للاحتجاج بهما على المنع، لما عرفت من ضعفهما ومعارضة ما هو أنهض منهما، ومخالفتهما لما هو الأصل فلا ينتقل عنه إلا بناقل صحيح، ولم يوجد.
وأما وقت صلاة الجمعة فالظاهر عدم الجواز لمن وجب عليه الحضور، إلا أن يخشى حصول مضرة من تخلفه للجمعة، كالانقطاع عن الرفقة التي لا يتمكن من السفر إلا معهم، وما شابه ذلك من الأعذار، وقد أجاز الشارع التخلف عن الجمعة لعذر المطر، فجوازه لما كان أدخل في المشقة منه أولى) [5] .
(1) سورة الجمعة: الآية 9.
(2) انظر: المغني (3/ 247) الشرح الممتع (5/ 29) .
(3) انظر: أحاديث الجمعة ص (330) .
(4) انظر: السلسلة الضعيفة (1/ 253 - 254) .
(5) نيل الأوطار (3/ 261) .