إن المقصود من خطبة الجمعة وعظ الناس وتذكيرهم، ولا يتم ذلك وغيره من المقاصد إلا بالإنصات للخطيب والإصغاء إليه، والبعد عن العبث بيد أو لحية أو ساعة أو سبحة أو سواك ونحو ذلك مما يمنع الإقبال، ويشعر بالإعراض وعدم الاهتمام.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام" [1] .
وعنه أيضًا - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسّ الحصا فقد لغا" [2] .
وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من اغتسل يوم الجمعة ومسّ من طيب امرأته - إن كان لها - ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة؛ كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا" [3] . ومعنى (لم يلغ) : لم يتكلم ولم يشتغل بغير ما ندب إليه.
قال النووي: (قوله:"من مس الحصا فقد لغا": فيه النهي عن مسّ الحصا وغيره من أنواع العبث في حالة الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة، والمراد باللغو هنا: الباطل المذموم والمردود) [4]
وقال ابن الأثير: (جعل المسّ كاللغو؛ لأنه يشغله عن سماع الخطبة، كما يشغله الكلام) [5] .
(1) رواه مسلم رقم (857) (26) .
(2) أخرجه مسلم (857) (27) .
(3) رواه أبو داود رقم (347) ، وابن خزيمة رقم (1810) . قال الألباني: سنده حسن، صحيح أبي داود (1/ 71) .
(4) شرح النووي على مسلم (6/ 396) .
(5) انظر جامع الأصول لابن الأثير (9/ 429) .