فهذه الآية دليل على وجوب ستر العورة بلبس الثياب عند كل صلاة. والثياب من نعم الله على عباده؛ لما فيها من ستر العورات، وهي - أيضًا - زينة وجمال، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت نظيفة.
قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: (ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب؛ لأنه من الزينة، والسواك؛ لأنه من تمام ذلك) [1] .
وقال ابن عبد البر: (إن أهل العلم يستحبون للواحد المطيق على الثياب أن يتجمل في صلاته ما استطاع من ثيابه وطيبه وسواكه) [2] .
وفي الحديث الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال:"إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" [3] .
قال الشوكاني: (الحديث يدل على أن محبة لبس الثوب الحسن والنعل الحسن وتخير اللباس الجميل ليس من الكبر في شيء، هذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم. .) [4] .
ومن الناس من لا يهتم باللباس عند خروجه للصلاة، بل يصلي بثيابه التي عليه ولو كانت رثة أو لها رائحة كريهة، كقميص المهنة، ورداء العمل، ولا يكلف نفسه بتبديلها، فيؤذي المصلين بدرنها، ويزكم أنوفهم بنتن ريحها، ويلوث فرش المسجد بوسخها، وهذا منهي عنه شرعًا؛ قال تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد. .} [5] .
مع أن هذا الإنسان لو أراد مقابلة شخص له جاه دنيوي، أو أراد الذهاب لمناسبة من المناسبات ما ذهب بهذه الثياب، بل يرتدي أجمل ما يملك، ويتطيب بأحسن ما يجد، حتى لو لقي في المسجد من يكن له احترامًا تأسف على مظهره، وتمنى أنه لو لبس أسن ثيابه، فكيف يهتم للوقوف أمام المخلوق ولا يهتم للوقوف أمام الخالق؟ إن هذا دليل على التساهل في شأن الصلاة، وعدم إدراك حقيقتها.
فحري بالمسلم أن يستشعر عظمة من يقف بين يديه، ويعرف أنه سيكون في بيت من بيوت الله تعالى، ولا ريب أن الوقوف أمام رب العالمين وزيارة بيته يستدعي حسن المنظر وبهاء الطلعة.
(1) تفسير ابن كثير (3/ 402) .
(2) التمهيد (6/ 369) .
(3) أخرجه مسلم رقم (91) . ومعنى (بطر الحق) : دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، و (غمط الناس) : احتقارها. ذكره النووي.
(4) نيل الأوطار (2/ 124) .
(5) سورة الأعراف: الآية 31.