ولا يقال: إن هذه الزيادة ليست من المسجد، فإن صلاة الصحابة فيها دال على أنها في حكم المسجد قطعًا.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم:"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة أو كألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا أن يكون المسجد الحرام" [1] ؛ فهذا لم يقصد به نفي مضاعفة الأجر في الإضافات الحادثة، ولكن المراد به - والله أعلم - نفي التضعيف في المساجد التي بناها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة كمسجد قباء، فأكد أن التضعيف خاص بمسجده بقوله:"هذا"ولم يقصد إخراج ما سيزاد فيه، والله أعلم [2] .
وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كلامًا نفيسًا حول هذا الموضوع، فأنقله هنا، يقول رحمه الله: (وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده - صلى الله عليه وسلم - حكم المزيد، تضعّف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجًا منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده، ويأمرون بذلك) ، ثم قال: (وهذا الذي جاءت به الآثار، وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان - رضي الله عنهما - فإن كليهما مما زاد من قبلي المسجد، فكان مقدمة في الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده، أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفًا من العلماء) [3] .
(1) أخرجه البخاري رقم (1133) ، ومسلم رقم (1394) ، وراجع سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (2/ 403) .
(2) انظر وفاء الوفاء (1/ 358) .
(3) الرد على الأخنائي المطبوع بهامش"تلخيص كتاب الاستغاثة"ص (196 - 198) .