المُتَوَهَّم، ويَحْسُنُ الحذف لدلالة هذا المَذْكُور المَنْفِيّ بالقسم عليه )) [1] .
والكلام على حكم بعض النحويين والمفسِّرين بزيادة (لا) في قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [2] . يُؤدي بنا إلى الحديث عن الأمثلة والشواهد النحويَّة التي يضربها كثيرٌ من المفسِّرين والنَّحويين للاسْتِدْلال على زيادة (لا) في صيغة (لا أُقْسِمُ) في القرآن الكريم، وذلك لمُشَابَهَة هذه الأمثلةِ لصيغة الآية الكريمة، فيقولون: إنَّ (لا) في صيغة (لا أُقْسِمُ) زائدةٌ كقولنا: (لا والله مَا فَعَلْتُ كَذَا) (لا وَرَبِّيْ إِنَّه لَحَقٌّ) وكقول امْرئ القيس [3] .
لا وَأَبِيْكِ ابْنَةَ العَامِرِيِّ ... لا يَدَّعِيْ القَوْمُ أَنِّيْ أَفِر
فالأسلوب في الأمثلة والشاهد الشعريِّ هو الأسلوب نفسه في قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} (لا) حرف نفيٍ، وبعده قسمٌ مؤلفٌ من (حرف قسمٍ ومُقْسَم به) ، والواضح للعيان أنَّ الأسلوب في الآية الكريمة والأمثلة مُخْتَلِف عن الأسلوب في قوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِـ} إذْ هذه الآية مؤلفةٌ من (لا) حرف نفي وبعده (فعل القسم) وبعده (المراد القَسَمُ به) .
وقد بينَّا أنَّ (لا) في قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} لا يمكن أنْ تكون زائدةً، والمعنى المختار في الآية الكريمة، وفي قول امْرِئ القيس: أنْ تكون (لا) نافيةٌ لما في ذهن السَّامع من احْتِمالاتٍ واردةٍ أو شكوكٍ مفترضةٍ.
و (لا) في البيت الشعري يمكن أنْ تكون نفيًا لما شاع بين الناس حول أمرٍ من الأمور، أو لما يمكن أنْ يلمسه الإنسان من ظنونٍ وانطباعاتٍ في عيون الناس ووجوههم، مثال ذلك (ابتساماتٌ دالةٌ، نظراتٌ ذات معنى، تجهماتٌ مقصودة ... إلى آخره) ، وهي بذلك تُمَهِّد لنفي الجواب وتوكيده.
ولتوضيح اخْتِلاف الأسلوب في (لا أُقْسِمُ) عن (لا وَرَبِّكَ) ، (لا وَأَبِيْكِ) أذكر قول الرازي: (( إنَّ قوله(لا وَأَبِيْكِ) قسمٌ على النفي، وقوله (لا أُقْسِمُ) نفيٌ للقسم، فتشبيه أحدهما بالآخر غير جائزٍ، وإنَّما قُلْنَا إنَّ قوله (لا أُقْسِمُ) نفيٌ للقسم، لأنَّه على وزن قولنا (لا أَقْتُلُ، لا أَضْرِبُ، لا أَنْصُرُ) ،
(1) المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات (571)
(2) النساء: 65
(3) الديوان (109)