وبعد نفي القسم في سورة الانْشِقاق بقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ*وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ*وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} [1] يقول تعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ*وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [2] فالآيتان الكريمتان (( إنكارٌعلى مَنْ لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المُسْتَلْزِمة لمدلولها أتمَّ اسْتِلْزام وأنكر عليهم عدم خضوعهم وسجودهم للقرآن المُشْتَمِل على ذلك بأفصح عبارة وأبينها وأوجزها ) ) [3] .
من ذلك، قوله تعالى في سورة المعارج، قبل آية نفي القسم {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} [4] (((كلا) في ردعٍ وتحقيرٍ {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} وهم يعلمون مِمَّ خُلِقُوا من ذلك الماء المَهِيْن الذي يعلمون )) [5] .
ومن ذلك، قوله تعالى بعد نفي القسم في سورة الواقعة {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ*وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ*وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ*فَلَوْلَا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ*تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [6] . أي إذا (( وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تُفَارق، فهي برزخٌ بين الموت والحياة كما أنَّها إذا فارقت صارت في برزخٍ بين الدنيا والآخرة، ملائكة الربِّ تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الإنس، ولكنَّهم لا يُبْصِرون بهم، فلولا تردُّونها إلى مكانها في البدن أيُّها الحاضرون إنْ كان الأمر كما تزعمون أنَّكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب ) ) [7] .
وقد تضمَّنت الآيتان الكريمتان (( تقريرًا وتوبيخًا واستدلالا على أصول الإيمان من وجود الخالق سبحانه، وكمال قدرته ونفوذ مشيئته، وربوبيته وتصرُّفه في أرواح عباده، حيث لا يقدرون على التصرُّف فيها بشيء وإنَّ أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردُّها إليهم إذا شاء ) ) [8] .
رابعا: التَّهْدِيْد والوَعِيْد: وقَدْ تَجَلَّى وَاضِحًا فِي:
(1) الانشقاق: 16 - 18
(2) الانشقاق: 20 - 21
(3) التبيان في أقسام القرآن (71 - 72)
(4) المعارج: 39
(5) في ظلال القرآن (29/ 113)
(6) الواقعة: 83 - 87
(7) التبيان في أقسام القرآن (148 - 149)
(8) التبيان في أقسام القرآن (149)