فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 258

الرأي الثالث

معنى (لا) النَّهْيُ عَن التَّكْذِيْبِ، رُجُوعًا إلى مَا تَقَدَّم أي (فلا تُكَذِّبُوا ولا تَجْحَدُوا)

يَتَّصِل هذا الرأي، في ربط معنى (لا) ، بكلامٍ مقدَّرٍ يسبقها بالرأي الثاني القائل: إنَّ (لا) نافيةٌ لكلامٍ سابقٍ، وعلى هذا فـ (لا) ناهية، ولكنْ لكلامٍ سابقٍ، فهي نهيٌ لما يقوله الكفَّار، ومعنى (لا) في كلا الرأيين يرجع إلى ما تقدَّم، ويُمكن تقديره في الكلام، ولكنَّ أثر هذا الرأي أعظم في ضياع المعاني وتشتيتها.

ومن الصعب تطبيق هذا المعنى على كلِّ المواضع التي وردت فيها صيغة (لا أُقْسِمُ) ، والدليل على هذه الصعوبة، أنَّ هذا المعنى ورد فيما اطَّلعت عليه من كتب التفسير، وهي كثيرةٌ، في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [1] .

فقد ذكر الماورديُّ في وجوه المعاني الواردة في (لا) من قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} أنَّ (( قوله(فلا) راجعٌ إلى ما تقدَّم ذكره، ومعناه (فلا تُكَذِّبوا ولا تَجْحَدُوا ما ذكرته من نِعمة وأظهرته من حُجَّة ثم اسْتأنف كلامه فقال:(أُقْسِمُ بمواقعِ النُّجُومِ ) )) [2] .

ولكنَّنا نجد أنَّ المعنى الظاهر من الآية الكريمة، الذي يطرق السمع لأَوَّل وهلة أنَّ (لا) فيها نافيةٌ، والفعل بعدها منفيٌ بها، وهو مرفوعٌ وليس مجزومًا.

أمَّا قولهم: إنَّ (لا) ناهيةٌ لكلامٍ تقدَّم عليها ثم يُقَدِّرون هذا الكلام، ويختلف التقدير من مفسِّرٍ إلى آخر، فهذا تكلُّف واضح، وذهاب بالمعنى الظاهر إلى أبعد ممَّا يَرْمِي إليه، وتحميله أكثر مما يَحْتَمِل، فضلا عن كونه تغييرًا للمعنى الظاهر من نفيٍ للكلام إلى نهيٍ، وهذا تحوُّل كبير في المعنى لا ينبغي أنْ يتمَّ من غير أدلَّة معنويَّة ظاهرة.

وإذا حاولنا تطبيق هذا المعنى على سورة البلد مثلا، فنقول في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد*وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ*لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [3] : إنَّ (لا) ناهيةٌ والمعنى (لا تُكَذِّبُوا ولا تَجْحَدُوا) ثُمَّ أَقْسَمَ تعالى بالبلد ووالدٍ وما ولد، وجوابُ القسمِ (إنَّ الإنسان

(1) الواقعة: 75

(2) تفسير الماوردي (4/ 177) ، وينظر زاد الميسر (8/ 150) ، الخازن (4/ 241) .

(3) البلد: 1 - 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت