فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 258

الغرض السادس

الغَضَب

يرتبط هذا الغرض بأغلب أغراض نفي القسم ارتباطًا اضْطرَّني، عند الكلام في تفصيل أغراض نفي القسم الأخرى فيما سبق، إلى ذكر الغضب مرارًا، وكيف أنَّه يتجلَّى معها وبها وفيها، بل يكاد يكون الغرض الوحيد الذي نلمسه في كلِّ مواضع نفي القسم في القرآن الكريم.

والغضب في القرآن الكريم، مع ألفاظه وأساليب التعبير عنه وعن درجات حدَّته، موضوع بحثٍ مهمٍ, يستأهل أنْ يكون وحده رسالةً, ولكنَّني سأُلْقِي عليه الضوء هنا في أسلوب نفي القسم وصيغته، وسأجلِّي درجته وسأذكر ما له علاقة بالتعبير عنه في القسم وغيره في القرآن الكريم.

ففي كثيرٍ من الغضب الصريح نجد درجات متفاوتة من التعبير عن الغضب, فنلمس في بعض المواضع غضبًا غير شديد في سياق التذكير والإيقاظ، كما في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ*النَّجْمُ الثَّاقِبُ*إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ*فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ*خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ*يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ*إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ*يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ*فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ} [1] ، فهذه الآيات تمثِّل (( طرقات متوالية على الحسِّ. طرقات عنيفة قويَّة عالية، وصيحات نُوَّمٍ غارقين في النوم. تتوالى على حسِّهم تلك الطرقات والصيحات بإيقاعٍ واحدٍ ونذيرٍ واحدٍ(اصْحُوا, تيقَّظوا, انْظُروا, تلفَّتوا, تفكَّروا، تدبَّروا) إنَّ هنالك إلاهًا، وإنَّ هنالك تدبيرًا، وإنَّ هنالك تقديرًا، وإنَّ هنالك تبعةً، وإنَّ هنالك حسابًا وجزاءً، وإنَّ هنالك عذابًا شديدًا ونعيمًا كبيرًا. وهذه السورة نموذجٌ واضحٌ لهذه الخصائص، ففي إيقاعاتها حدَّة يُشَارك فيها نوع المشاهد، ونوع الإيقاع الموسيقي، وجرس الألفاظ وإيماء المعاني )) [2] .

أمَّا القسم في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ*إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ*يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ*قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} [3] ففيه درجة غضبٍ أشدُّ وأقوى، (( {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ} قولهم

(1) الطارق: 1 - 10

(2) في ظلال القرآن (30/ 117 - 118)

(3) الذاريات: 7 - 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت