فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 258

قال الرازي، وهو يعرض معنى نفي القسم في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} (( ... أنْ يكون الغرض منه الاسْتِفهام على سبيل الإنكار, والتقدير:(ألا أُقْسِمُ بيَوْمِ القِيَامَةِ. ألا أُقْسِمُ بالنَّفْسِ اللوَّامَة على أنَّ الحشر والنشر حقٌّ ) )) [1] .

وهذا القول يدعونا إلى زيادة همزة الاسْتفهام إنْ لم يكن برسمها فبحضور معناها, وليست زيادتها في المعنى بالأمر الهين، لأنَّ مجرى الكلام سيتحوَّل من أسلوب النفي إلى أسلوب الاستفهام, ونحن نعلم أنَّه لا يجوز لنا الزيادة في كلام الله تعالى، فالله، جلَّ جلاله، لا يعوزه الكلم, فإنْ كان المراد هو الاسْتِفهام فما المانع من ذكر همزة الاسْتِفهام قبل (لا) ، وعدم ذِكْرِها سيُحدث إشكالا وتشابكًا في المعاني، ويفتح الباب للتأويل, وفي موضوع زيادة اللفظ أو المعنى، قال ابْن مضاء القرطبي: (( ... وادِّعاء الزيادة في كلام المتكلِّمين من غير دليل يدلُّ عليه خطأٌ بين, لكنَّه لا يتعلَّق بذلك عقاب، وأمَّا طرد ذلك في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وادِّعاء زيادة معانٍ فيه من غير حُجَّةٍ ولا دليلٍ ... فالقول بذلك حرام على من تبيَّن له ذلك ... وممَّا يدلُّ على أنَّه حرامٌ الإجماع على أنَّه لا يُزاد في القرآن لفظٌ غير المُجْمَع على إثباته, وزيادة المعنى كزيادة اللفظ, بل هي أحرى, لأنَّ المعاني هي المقصودة. والألفاظ دلالات عليها ومن أجلها ) ) [2] .

ذكر هذا الرأي الزركشي بقوله: (( وأجاز الخازرجي في {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [3]

كون (لا) منه بمعنى الاسْتِثناء فحُذِفَت الهمزة وبقيت (لا ) ) ) [4] .

يتَّصل هذا الرأي بالرأي السابق له، اتِّصالا كبيرًا من حيث كونه واهيًا غريبًا, ولا اخْتِلاف بينهما إلا في المعنى الحاصل، فعندما قال الخازرجي على نحو ما نَقل عنه الزركشي: إنَّ همزة الاسْتثناء قد حُذِفت وبقيت (لا) فإنَّ هذا الحذف لم يدلّ عليه، وعلماء النحو يشيرون إلى أنَّ المواضع التي يحتاج في معرفة المحذوف منها إلى تأمُّلٍ كثير، وفكرٍ طويلٍ، فلا يجوز الحذف فيها لما في الحذف من اللبس على السامعين [5] .

(1) تفسير الرازي (30/ 215) ، وينظر غرائب القرآن (29/ 104)

(2) كتاب الرد على النحاة (81 - 82)

(3) القيامة: 1

(4) البرهان في علوم القرآن (4/ 360)

(5) ينظر كتاب الرد على النحاة (85)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت