الغرض الأوَّل
رَفْعُ التَّعْظِيْمِ عَنْ المُشَارِ إِلَيْهِ بـ (لا أُقْسِمُ)
لكي نسلِّط الضوء على هذا الغرض, لابدَّ لنا من دراسة سورة البلد، لأنَّ غرض رفع التعظيم عن المُشَار إليه بـ (لا أُقْسِمُ) ، والتقليل من الشأن بعد تعظيمه يتجلَّى في هذه السورة العظيمة.
فحين ندرس سورة البلد، ونفهم آياتها على أساس أنَّ مستهلَّها قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [1] هو نفي حقيقي للقسم, نجد أنَّ اتِّجاه السورة كلّه قد اسْتَقام، وأنَّ ما ورد فيها من معانٍ أصبح نسيجًا متماسكًا يوصل أوَّله إلى تاليه, فلا تَشَتُّت للأفكار ولا انقطاع للمعاني في أوَّل السورة عن وسطها وآخرها, فضلا عن أنَّ الترابط المطلوب بين آياتها قد اتَّضح.
وأوَّل ترابطٍ في الفهم أو تقويمٍ له بعد الانْحِياز الكامل لمعنى النفي في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} يكون في تثبيت معنى قوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [2] وترجيح الرأي في (حِلّ) ترجيحًا تامًّا ومُقْنِعًا.
إنَّ افْتِتَاح السورة بصيغة نفي القسم يقرع الأسماع والأذهان ويدقُّ إنذار إغارةٍ وشيكةٍ على أهل بلدٍ اسْتَبَاحُوا كلَّ حرمةٍ لمحمَّدٍ، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأصحابه بدليل كلمة (حِلّ) الواردة في قوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} التي اخْتَلف المفسِّرون في معناها على النحو الآتي:
1 ـ منهم من قال: إنَّ (حِلّ) بمعنى (حلال) وذلك على وجهين:
أحدهما: أنَّ الله تعالى جعل مكَّة حلالا لرسول الله [3] ساعةً من نهار يصنع فيها ما يشاء، والواضح أنَّ القائلين بهذا الرأي يرون أنَّ تحقيقه في المستقبل, لأنَّ الله أحلَّ مكَّة لرسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، يوم فتح مكَّة بحسب الرواية
(1) البلد: 1
(2) البلد: 2
(3) ينظر تفسير الصنعاني (3/ 273) ، تفسير الطبري (30/ 193) ، تفسير الماوردي (4/ 456) ، تفسير الواحدي (2/ 1203) ، تفسير البغوي (4/ 488) ، المحرر الوجيز (5/ 438) ، زاد المسير (9/ 127) ، تفسير الثعالبي (4/ 414 - 415) ، أسرار التكرار في القرآن الكريم (219) ، تفسير الشربيني (4/ 537)