فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 258

التي اعْتَمدوا عليها, والسورة مكِّيَّة [1] وبينها وبين فتح مكَّة سنوات طويلة، وتفسير الآية على هذا النحو بِالحَالِ مُحَال. وكلُّ من أورد هذا التأويل لكلمة (حِلّ) أورد الأحاديث التي تروي أنَّ مكَّة أُحِلَّت لرسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، ساعةً من نهارٍ. قال القرطبي: (( قال ابْن عبَّاس: أحلَّ له يوم دخل مكَّة أنْ يقتل من شاء، فقتل ابْن خطل، وميس بن صبابة, وغيرهما، ولم يحلّ لأحدٍ من الناس أنْ يقتل بها أحدًا بعد رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، وروى السدِّي قال: أُحِلَّتْ له ساعة من النهار ثم أُطْبِقَت وحُرِّمَت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح مكَّة وثَبَت عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال [2] : إنَّ الله حرَّم مكَّة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرامٌ إلى أنْ تقوم الساعة، فلم تُحَلَّ لأحدٍ قبلي ولا تُحَلُّ لأحدٍ بعدي, ولم تُحَلّ لي إلا ساعةً من نهار ... الحديث ) ) [3] .

ولا شكَّ أنَّ هذا التفسير والاعْتِماد على هذه الراويات جاء على هذه الصورة بنظرةٍ مُتَأخِّرَةٍ على ما فات, فالتفاسير كُتِبَت بعد انْتِهاء الأحداث بسنين طويلة، وكانت الأحداث أمام المفسِّرين مُكْتَمِلةً، والروايات موجودة ومتعدِّدة، فربط بعضهم هذا بذاك وتوصَّل إلى هذا المعنى، ولكنَّنا إذا عُدْنا إلى وقت نزول هذه السورة فسنتساءل: كيف فهم الصحابة الكرام الآية الكريمة وقت نزولها، وهم لا يعرفون الأحداث التي ستجري مستقبلا؟، وربَّما في وقتهم ذاك لم يكونوا يتوقَّعون أصلا أنْ تُفتح مكَّة لرسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو يتعرَّض فيها للأذى والتنكيل من المشركين. بل كان النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، نفسه يخشى في بدر وهو في وضعٍ أفضل من أيام مكَّة أنْ تَهْلِكَ العصابة المؤمنة مِنْ حوله، فلا يُعْبد الله في الأرض، وكان يدعو الله قائلا: (( اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكَ هَذِه العِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَد فِي الأَرْضِ ) ) [4] .

(1) ينظر الناسخ والمنسوخ للمقري (198) ، الناسخ والمنسوخ لابن حزم (65) ، تفسير القرطبي ... (20/ 60 - 61) ، البحر المحيط (8/ 474) ، البرهان في علوم القرآن (1/ 193 - 194) ، الدارالمنثور (8/ 516) ، قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن (227 - 228) ، فتح القدير (5/ 442) ، تفسير الشربيني (4/ 537) .

(2) ينظر صحيح مسلم (2/ 987) ، سنن الترمذي (4/ 21) ، المنتقى لابن الجارود (1/ 134) ، صحيح ابن حبان (9/ 28) .

(3) تفسير القرطبي (20/ 60 - 61)

(4) صحيح مسلم (5/ 156)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت