فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 258

فما الحكمة من أنْ يُكَرِّر الله تبارك وتعالى القسم بمكَّة وهي مُبَاحة لرسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد أقسم جلَّ جلاله بها مُعظِّما إيَّاها من قبل في سورة التين المكِّيَّة أيضًا بقوله تعالى: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [1] ، وكيف يمكن ربط القسم في سورة البلد بالآيات التالية له, إذ القسم المفترض بمكَّة هنا مُقْتَرنٌ بقوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} ممَّا يعني أنَّ القسم بها مُقَيَّدٌ بهذه الساعة التي أُحِلَّ للنَّبي، عليه الصلاة والسلام، أنْ يصنع فيها ما يشاء بأهل مكَّة, فالشيء الأكيد أنَّ مكَّة لن تكون مُعَظَّمةً في هذه الساعة ولا أمينةً ومُحَرَّمةً، لذلك لا يستقيم أنْ يختار المفسِّر معنى القسم المُعظِّم في موضع اسْتِبَاحة الحُرْمَة، وكان الأَوْلى أنْ يختار معنى نفي القسم لينسجم مع الرواية التي اعْتَمد عليها.

ولمن قال إنَّ المعنى في مُسْتَهَلِّ سورة البلد هو قسم بالبلد تعظيمًا للمُقْسَم به، تقول د. عائشة عبد الرحمن: (( لا نجد في القسم هنا إيحاء التعظيم للمُقْسَمِ به, بل إيحاء بخطره, ووقعه أقرب إلى الزجر والترهيب ) ) [2] .

الوجه الآخر: أنَّ المشركين اسْتَحَلُّوا أذى النَّبي محمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، في مكَّة البلد الحرام، فأصبح، عليه الصلاة والسلام, مُسْتَحَلَّ الحرمة في مكَّة مُسْتَباح الأذى, وقد ورد هذا المعنى عند كثيرٍ من المفسِّرين [3] ، وسأفصِّل القول فيه بعد عرض الآراء الأخرى في (حِلّ) ومناقشتها.

2 ـ (حِلّ) في قوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} من الحلول بمعنى الإقامة [4] ، ويكون المعنى، على وفق من قال إنَّ قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ} بمعنى (أُقْسِمُ) : إنَّ الله تعالى أَقْسَم بمكَّة، وقَيَّد قسمه، جلَّ جلاله، بإقامة النَّبي محمَّد،

(1) الآية: 3

(2) التفسير البياني للقرآن الكريم (1/ 162)

(3) ينظر تفسير الماوردي (4/ 456) ، مجمع البيان (5/ 492) ، الكشاف (4/ 255) ، المحرر الوجيز (5/ 483) ، زاد المسير (9/ 127) ، تفسير الرازي (31/ 179) ، تفسير النسفي (4/ 339) ، الخازن (4/ 429) ، تفسير أبي السعود (9/ 160) ، فتح القدير (5/ 246) ، روح المعاني (30/ 133 - 134) ، الجديد (7/ 372) ، تفسير فرات الكوفي (577) ، تفسير القمي (2/ 422) ، الأمثل في تفسير الكتاب المنزل (20/ 192) ، من هدي القرآن (18/ 118) ، التفسير القرآني للقرآن (7/ 1567) .

(4) ينظر تفسير الماوردي (4/ 456) ، المحرر الوجيز (5/ 483) ، تفسير الرزاي (31/ 179) ، الخازن (4/ 429) ، البحر المحيط (8/ 474) ، تفسير الثعالبي (4/ 414) ، تفسير أبي السعود (9/ 160) ، فتح القدير (5/ 466) ، روح المعاني (30/ 133 - 134) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت