فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 258

صلَّى الله عليه وسلَّم، فيها [1] (أي ما دام فيها مقيمًا) ، والمراد من القسم, بحسب رأيهم، تعظيم البلد الحرام وتشريفه بإقامة النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم فيه، وعلى هذا المعنى يمكن أنْ نقول: إنَّ مكَّة البلد الحرام قد فقدت تعظيمها وقُدْسِيَّتها بعد خروج الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، منها لأنَّ مفعول القسم بها قد انْتَهى بعد خروجه، عليه الصلاة والسلام، منها.

ثُمَّ ما الحكمة من تعظيم مكَّة في أثناء وجود الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، فيها مُضْطَهَدًا مُحَارَبًا، فضلا عن التناقض الظاهر لهذا القسم مع معاني الآيات التالية له كما سأوضِّح.

3 ـ إنَّ (حِلّ) من الإحلال ضدَّ الإحرام [2] أي إنَّ النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، مُحِلٌّ ساكنٌ البلد، بخلاف المُحْرِم الذي يحجُّ ويعْتَمِر. وهذا المعنى بعيدٌ لا صله له بالآيات التالية، ولا يُمْكن ترجيحه والاعتماد عليه في ترتيب معنى الآيات في السورة إلا بعد التكلُّف في التقديرات، والتعسُّف في التأويلات، وتمزيق السياق، وتشتيت النسيج الواحد المتماسك, ولذا قيل: (( نستبعد معنى الإحلال ضدَّ الإحرام لظهور ضعفه, إذ ليس له سياقٌ ولا مناسبة, ولا الأذهان متَّجهة إليه في هذا المقام ) ) [3] .

وأعود إلى المعنى الأوَّل الذي يُفْهم منه أنَّ الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، مُسْتَبَاحُ الحرمة في مكَّة, وممَّا يُؤَكِّد هذا المعنى ويدلُّ عليه، النفيُ الصريح للقسم بمكَّة الذي ورد في مُسْتَهَلِّ السورة {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} وقد سبق في الاستدلال على حقيقة النفي في الآية الكريمة، هذا فضلا عمَّا ورد في المعجمات اللغويَّة من معنى (حِلّ) , فالرجوع إلى كتب اللغة، غالبًا ما يكون الحَكَم الفَصْل في قضايا اخْتِلاف الدلالة, فقد ورد فيها التفريق بين الحلال، ومعنى النزول أو الإقامة الواردين في مادة (حَلَلَ) :

جاء في كتاب العين: (( الحِلُّ: الحَلالُ نَفْسُه {لَا هُنَّ حِلٌّ} [4] ... والحِلُّ: الرَّجُلُ الحَلالُ الذي خَرَجَ مِنْ إِحْرَامِهِ, والفِعْلُ أَحَلَّ إِحْلالا ... وفي الحديث(أَحِلَّ بِمَنْ أَحَلَّ بِكَ) [5] , يَقْول:

(1) ينظر تفسير القرطبي (20/ 59) ، تفسير البيضاوي (5/ 492)

(2) ينظر تفسير الماوردي (4/ 456) ، زاد المسير (9/ 127) ، التبيان في أقسام القرآن (23)

(3) التفسير البياني للقرآن الكريم (1/ 164) .

(4) الممتحنه: 10

(5) ينظر النهاية في غريب الحديث (1/ 412)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت