فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 258

صيغة (لا أُقْسِمُ) ولكن كيف تَمَّ التوكيد، وهل تَلَقَّى السامع هذا التوكيد المزعوم بـ (لا) على القسم، الله وحده يعلم.

ومن الجانب اللغوي، لا يَسْتَقِيْم كذلك، تقديم المُؤَكِّد، على ما أسلفنا آنفًا. ولكن لماذا يعدُّ النحويُّون (لا) زائدةً مع أنَّها أفادت فائدةً معنويَّةً وهي التوكيد؟ يقول الاسترابادي: (( فإنْ قِيل: فيجب ألا تكون زائدةً إذا أفادت فائدةً معنويَّةً، قيل إنَّما سُمِّيَت زائدةً، لأنَّه لا يتّغّيَّر بها أصل المعنى، بل لا يزيد بسببها إلا تأكيد المعنى الثابت وتقويته، فكأنَّها لم تُفِدْ شيئًا، لمّا لَمْ تُغَايِر فائدتُها العارضة: الفائدة الحاصلة قبلها، ويلزمهم أنْ يعدُّوا على هذا(إنَّ) ، ولام الابْتِداء، وألفاظ التأكيد، أسماء كانت، أوْ لا: زوائد، ولم يقولوا به )) [1] .

ويُفْهَم من هذا النص:

1.أنَّ معنى التوكيد في (لا) الزائدة يختلف عن معنى التوكيد الحقيقيِّ في اللغة العربيَّة الذي يكون إمَّا لفظيًّا أو معنويًّا، ولكلِّ نوعٍ فائدة، وفائدة التوكيد الحقيقيّ بنوعيه في الجملة واضحة، إذ المعنى قبل دخوله يختلف عن المعنى الحاصل بعد دخوله في الجملة، فهو يزيد في المعنى ولا يُبْقِيه على حاله، وليس كـ (لا) الزائدة للتوكيد التي لا تُغَاير فائدتها العارضة الفائدة الحاصلة قبلها، كما قال الاسترابادي، فكأنَّها لم تُفِد شيئًا.

2.يجب تأكيد قول الاسترابادي: (إنَّما سُمِّيَت زائدةً، لأنَّه لا يَتَغَيَّر بها أصل المعنى) لأنَّ هذه العبارة تُوَضِّح لنا أنَّ معنى الزيادة المُرَاد عند النحويين هو أنْ يكون دخول الحرف كخروجه، وأنَّ الفائدة المعنويَّة التي وضعوها لـ (لا) عند زيادتها في صيغة (لا أُقْسِمُ) ما هي، في رأْيِي، إلا محاولة للتأدُّب في الكلام على آيات القرآن الكريم، فلا يستطيعون القول: إنَّها زائدةٌ لا لفائدةٍ تُذكر وإلا لعدَّ عبثًا.

3.إنَّ الاسترابادي يسْتَغْرِب أنْ يكون للحرف معنًى ثُمَّ يُعَدُّ زائدًا، فنجده يقول: (( إنَّ العجب أنَّهم لا يرون تأثير الحروف معنويًّا ... مانعًا من كون الحروف زائدة، ويرون تأثيره لفظيًّا، ككونها كافةً: مانعًا من زيادتها ) ) [2] .

ومن المعاني التي أعطوها لزيادة (لا) في صيغة (لا أُقْسِمُ) غير معنى التوكيد ما ذكره أحد المفسِّرين من أنَّ (لا) زائدةٌ للزينة [3] ، ولكنَّه لم يوضِّح المقصود بالزينة هل هي زركشة أو زخرفة لتزيين كلمات الله، تبارك وتعالى؟!!.

(1) شرح الكافية (4/ 433)

(2) شرح الكافية (4/ 436)

(3) ينظر تفسير القرطبي (19/ 91 - 92)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت