لتوكيد ماذا؟، ولم أفهم كيف يكون لـ (لا) معنى التوكيد وتثبيت الكلام، ثُمَّ تكون زائدةً، فهي في نظري، إمَّا أنْ تكون زائدةً، أو يكون لها معنًى وأثر، وإلا فالتوكيد نفسه زائدٌ ولا ضرورة له، ووجوده كعدمه.
ثُمَّ كيف تكون (لا) توكيدًا، ونحن نعلم أنَّ المُؤَكِّد يكون بعد المُؤَكَّد لا قبله؟ وكيف يمكن تطبيق معنى التوكيد بالنفي على صيغة (لا أُقْسِمُ) ، أي معنى التوكيد بالنفي على القسم المُثْبَت؟ أقول هذا مع علمي أنَّ التأكيد عن طريق النفي موجودٌ في كلامنا، ولكنَّه تأكيدٌ عن طريق النفي، وليس عن طريق زيادة أداة النفي.
تقول د. عائشة عبد الرحمن: (( إنَّ التأكيد عن طريق النفي ليس بغريبٍ عن مألوف اسْتِعْمَالِنَا، فأنت تقول لصاحبك: لا أًُوصِيْك بفلانٍ، تأكيدًا للتوصية ومبالغةً في الاهْتِمَام بها، كما تقول: لَنْ ألحَّ عليك في زيارتنا، فتَبْلُغ بالنفي ما لا تبلغه بالطلب المُبِاشر الصريح. وليس الأمر هنا مجرَّد تقريرٍ لعدم حاجة الموقف إلى توصيةٍ أو تأكيدٍ أو قسمٍ، وإنَّما يرتهن سرُّ التعبير فيه بما في التأكيد بالنفي، على ما يبدو من تَنَاقُضِهِما، من لفتٍ قويٍ، مثيرٍ للانتباه، فَضْلا عمَّا فيه من إِقْنَاع نفسي بالغ، قلَّ أنْ يبلغه الأسلوب المعتاد ) ) [1] .
أمَّا معنى كون (لا) زائدة في صيغة (لا أُقْسِمُ) فهو أنْ يُلْغَى معنى النفي فيها، فالنحويُّون بعد إلغائهم معنى النفي في (لا) يُحَمِّلُونَهَا فائدةً معنويَّةً هي (التوكيد) ، بقولهم: إنَّ الحرف الزائد لابدَّ أنْ يكون له إمَّا فائدة معنويَّة كالتوكيد، أو فائدة لفظيَّة كاسْتِقَامة وزن الشعر أو حسن السجع، ولا يجوز خُلوِّها من الفوائد اللفظيَّة والمعنويَّة معًا وإلا لعُدَّ عبثًا [2]
وإذا درسنا التوكيد في العربية نجد المُؤَكِّدَ يلحق المُؤَكَّدَ ولا يَتَقَدَّم عليه [3] ،وهذا عكس ما نراه في زيادة (لا) في صيغة (لا أُقْسِمُ) إذْ إنَّهم يعدُّون (لا) زائدةً للتوكيد وهي تسبق المُؤَكَّد، وكون معنى النفي مُلْغًى فيها فهذا يُعِدُّها لأنْ تكون مُؤَكِّدَة للقَسَمِ!.
إذن، من الجانب الدلالي لا يستقيم في فَهْمِنا أنْ يتقدَّم (حرف نفي) الفعل ثُمَّ يُلْغى معناه الأصليّ (النفي) الذي (( هو شطر الكلام لأنَّ الكلام إمَّا إثباتٌ أو نفي ) ) [4] ليُعْطَى معنى التوكيد فحرف (لا) جُرِّد من معنى النفي وأصبح مُؤَكِّدًا للقسم في نظر القائلين بزيادة (لا) في
(1) التفسير البياني للقرآن الكريم (1/ 156)
(2) ينظر شرح الكافية (4/ 433)
(3) (( ينظر المقتصد في شرح الإيضاح(2/ 896 - 897) ، شرح المفصل (8/ 136) ، شرح قطر الندى وبل الصدى (292) ، شرح ابن عقيل (2/ 206) ، معاني النحو (4/ 134) ، النحو الوافي (3/ 504) .
(4) البرهان في علوم القرآن (2/ 375)