فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 258

أوَّلا: الإيقاع الغاضب: و (( الإيقاع هو النظام الذي تتوالى بموجبه المقاطع المنبورة، بعضها خلف بعض ) ) [1] ، وهو في الغضب هنا طَرْقٌ صوتيٌّ سماعيٌّ محسوس لا يخفى على صاحب فطرة وسماع، وفي المثال الذي أوردته عن الأعرابيِّ، حيث استشعر غضب الرحمن بسماعه وإدراكه الفطريين حين طرقت الآيات الكريمة أذنيه، صورة عن تلمُّس الإيقاع الغاضب، وهذا الإيقاع في آيات نفي القسم يتفاوت في شدَّته، إذ يبدأ بإيقاع النفي في كلِّ المواضع، ثُمَّ بإيقاع الذمِّ والتقريع الغاضبين على نحو متسلسل، إلى نبرة الوعيد وجرس الإنذار الأخير.

وأشدُّ إيقاعٍ غاضبٍ وجدته، وسأورده مثلا على إيقاع الغضب في مواضع نفي القسم، إيقاع آيات سورة البلد، فبعد نفي القسم ورَفْع الحصانة عن البلد والإشارة إلى اسْتِبَاحة الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، في البلد، أتى قسمٌ غاضبٌ شديدٌ، والمُقْسَم به يَعِمُّ ويشمل ويخيف (بكلِّ والدٍ وولدٍ) فصار في الإيقاع والطَرْق غضبٌ على غضبٍ، ثم أُتْبِع بجرس التقريع والتوبيخ الشديدين لصنف الإنسان الكافر المحارب، وأقفل بنبرة التهديد والوعيد له.

وقد استخدم السياق القرآنيّ المُعْجِز صوت الدال وأقفل به فواصل آيات السورة الكريمة في موضع نفي القسم وما بعده، {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ*لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [2] ، والدال صوتٌ مجهورٌ شديدٌ منفتحٌ [3] ، يُسمع عند النطق به صوتٌ انفجاريّ لانْفِصَال اللسان عن أصول الثنايا [4] ، ولا يخفى ما في الشدَّة والجهر والانْفِجَار من أجواء غضبٍ ظاهرٍ، فإذا انْضَمَّ إليه بهذه الصفات (صوت الباء) في لفظة (البلد) زاد الإيقاع تمكُّنًا من أداء الغرض.

(1) الوجيز في فقه اللغة (268)

(2) البلد: 1 - 4

(3) ينظر الكتاب (4/ 434 - 436) ، دراسات في فقه اللغة (281 - 282)

(4) ينظر علم اللغة (155) ، الأصوات اللغوية (48)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت