فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 258

في الرسول ساحر وشاعر ومجنون، وفي القرآن شعر وسحر وأساطير الأولين ... {يُؤْفَكُ عَنْهُ} الضمير للقرآن أو للرسول أي يصرف عنه من صُرِف، الصرف الذي لا صَرْفَ أشدَّ منه وأعظم )) [1] ، ويظهر الغضب ودرجته في الدعاء على الكذَّابين (( {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} دعاء عليهم كقوله تعالى: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [2] وأصله الدعاء بالقتل والهلاك، ثُمَّ جرى مجرى لعن وقبح، والخرَّاصون هم الكذَّابون المُقَدِّرون ما لا يصحُّ وهم أصحاب القول المختلف ) ) [3] .

وفي قوله تعالى، في السورة نفسها: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [4] . وقد ذكر الزمخشري في هذه الآية الكريمة رواية (( عن الأصمعي: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابيٌّ على قعودٍ له فقال: ممَّن الرجل؟ قلت من بني أصمع، قال من أين أقبلت؟ قلت: من موضعٍ يُتْلَى فيه كلام الرحمن، فقال: اتْلُ عليَّ فتلوت(والذاريات) ... فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفتُّ فإذا أنا بالأعرابيِّ قد نحل واصْفَرَّ، فسلَّم عليَّ واسْتَقْرَأ السورة، فلمَّا بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وَعَدَنَا ربُّنا حقّا، ثم قال: وهل غير هذا فقرأت {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتَّى حلف، لم يصدِّقوه بقوله حتَّى ألجؤوه إلى اليمين، قالها ثلاثًا وخرجت معها نفسه )) [5] .

هذا في القسم، وفي نفي القسم غضبٌ أشدّ، فإعلان الجليل، تبارك وتعالى، توقُّفه عن القسم بعد أنْ أَقْسَمَ، أمرٌ قد بلغ الذروة بلا شكّ في بيان غضبه، تبارك وتعالى، للمكذِّبين. لقد توقَّف الحوار واللَّفت وسكت خطاب العقول بعد أنْ تمَّ وفاض، ولم يبقَ إلا خطاب الوعيد والتهديد، إنَّه لأمرٌ يُشْبِه توقُّف المفاوضات والمداولات لعدمِ الوصول إلى نتيجةٍ بين دولٍ متعارضةٍ حول قضية الخلاف. فتوقف لغة الحوار لتبدأ لغة الوعيد والحرب، ولله المثل الأعلى. ومثال ذلك في كلامنا، قولك لمن كذَّبك في أمرٍ، وطلب منك الحلف: لن أَحْلِفَ بالله ولن أَحْلِفَ بالقرآن، إنَّ كلامي لحقٌّ وإنَّ تكذيبك لي لأمرٌ مشين، وستلقى جزاء ذلك، وفي ذلك ردٌّ غاضبٌ على المكذِّب.

(1) الكشاف: (4/ 14)

(2) عبس: 17

(3) الكشاف: (4/ 15)

(4) الذاريات: 23

(5) الكشاف: (4/ 17)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت