الغرض الثاني
عَدَمُ الحَطِّ مِنْ مَقَامِ المُقْسِم
من أغراض عدم قسم الله جلَّ جلاله بعبارة (لا أُقْسِمُ) ، بعد أنْ أَقْسَمَ سبحانه للمُخَاطَبِيْن لفتًا وحضًّا وتوكيدًا في واحدٍ وثلاثين موضعًا بأقسامٍ صريحةٍ، أنْ لا يحطَّ من قدر المُقْسِمِ تبارك وتعالى في أذهان السامعين, مكذِّبين كانوا أو مصدِّقين.
ويرتبط هذا الغرض بتوضيح أثر الإكثار من الحلف وترديده في أمورٍ كثيرةٍ بُغْيَة تصديق السامع لها، وما يتعلَّق بهذا الإكثار من مهانة وذلَّة.
نحن نعلم أنَّ العرب ينبذون من يُكْثِرُ من الحلف ويستهينون به وينظرون إلى هذا الأسلوب على أنَّه أسلوبٌ مُبْتَذلٌ مُهِيْنٌ يقوم به أو يلجأ إليه من ليس له مصداقيَّة عند الناس ممَّا يضطَّره إلى كثرة الحلف والإقسام لجذب الانْتِبَاه إليه وتصديقه غير عابئٍ بما يجلبه هذا الأسلوب من حطٍّ لقدره في عيون الناس. وفي الوقت نفسه نجد (( العرب تتمادح بقلَّة الأَيْمَان حتَّى قال قائلهم [1] :
قَلِيْلُ الأَلايَا حَافِظٌ لِيَمِيْنِهِ ... وإِنْ نَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ )) [2]
وجاء الإسلام ليُؤَكِّد هذا الأمر ويُشِير إلى جوانب الذلَّة في الإكثار من الحلف بطرائق متعدِّدة، منها:
ذمُّ الإكثار من الحلف والنهي عن جعل الله تعالى عُرْضَة للأيمان يُبتذل فيها اسْمُه، جلَّ جلاله، وجاء النهي عن ذلك بقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [3] . قال الجصَّاص في معنى هذه الآية الكريمة: (( أنْ يكون قوله: {عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} يريد به كثرة الحَلِف، وهو ضربٌ من الجرأة على الله تعالى وابْتِذال
(1) ورد هذا البيت في تفسير القرطبي (3/ 97) ، فتح القدير (1/ 230)
(2) تفسير القرطبي (3/ 97) ، وينظر فتح القدير (1/ 230)
(3) البقرة: 224