لاسْمِه في كلِّ حقٍّ وباطل، لأنْ تبرُّوا في الحلف وتتَّقوا المآثم فيها، وروي عن عائشة: (من أَكْثَرَ ذِكْر شيء فقد جعله عرضة) يقول القائل قد جعلتني عرضةً للَّوم )) [1] .
فالإكثارمن الحَلِف يُذْهب الهيبة، وقد ورد في الحديث الشريف: (((لا تُكْثِروا من الحَلِف بالله وإنْ كنتم بررة) وفائدة ذلك إثبات الهيبة في القلوب. )) [2] ولهذا أمر الله المؤمنين بحفظ أيمانهم فقال جلَّ شأنه: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [3] .
في هذه الآيات الكريمة وغيرها توجيهٌ واضحٌ للإقلال من القسم وجعله مَهِيبًا محفوظًا مقصورًا على جلائل الأمور بعيدًا عن الإكثار من (اللَّغْو) [4] الذي يُهِيْن المُقْسِمَ ويضيع أثر القسم {لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [5] فلا أثر ولا أهميَّة لهذه الأيمان التي وردت في لغو الكلام وكثرته ولن يحاسب الله المؤمنين عليها.
وقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [6] وهذا موضع ذمٍّ وتحقير للمنافقين الذين (اتَّخذوا) أي جعلوا من الحَلِف والقسم نهجًا دائمًا ووسيلةً معهودةً لحماية أنفسهم و (( الجُنَّة الترس وما أشبهه ممَّا يستر ) ) [7] فجعلوا أيمانهم (( وقايةً وسترةً دون دمائهم وأموالهم ) ) [8] فيُكْثِرون من الحَلِف والقسم ليدفعوا عن أنفسهم التهم والعقاب، وفي ذلك ضعفٌ واضحٌ ومهانةٌ، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وفي نهاية الآية لفتةٌ دالَّة، فالمنافقون اتَّخذوا أيمانهم طريقةً دفاعيَّةً مُهِيْنةً، فقبلوا بالمهانة لينجوا من العقاب في الدنيا فأتاهم عذاب الآخرة، وأبقى الله لهم المهانة {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}
(1) أحكام القرآن (2/ 42) ، وينظر تفسير القرطبي (3/ 97) ، تفسير البيضاوي (1/ 511) ، تفسير أبي السعود (1/ 223) ، فتح القدير (1/ 230)
(2) فتح الباري (5/ 484)
(3) المائدة: 89
(4) (( اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام. ) )تفسير البيضاوي (1/ 521) ، و ينظر تفسير الثعالبي (1/ 173) ، تفسير أبي السعود (1/ 224)
(5) البقرة: 225
(6) المجادلة: 16
(7) التبيان في تفسير غريب القرآن (411)
(8) تفسير أبي السعود (8/ 222)