ومن المهانة أنْ يحلف المرء ويُكْثر ليَسْلَم من أذى أو ليحظى برضا، كما في قوله تعالى في وصف المنافقين: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ} و {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ} [1] وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وأبرز دليل على أنَّ المُكْثِر من الحلف مهان، ما ورد في الآية الكريمة {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [2] فالآية ذمٌّ صريحٌ للإكثار من الحلف، ووصفٌ بيِّنٌ لفاعله (بالمَهِيْن) أَيْ الضعيف [3] ، وقد وجَّه بعض المفسِّرين قوله تعالى: (مَهِيْن) إلى معنى الكذَّاب [4] ، فعلَّل هذا التوجيه الطبري بقوله: (( غير أنَّ بعضهم وجَّه معنى(المَهِيْن) إلى الكذَّاب، وأحسبه فعل لأنَّه رأى أنَّه إذا وُصِفَ بالمَهَانة فإنَّما وُصِف بها لمهانة نفسه عليه، كذلك صفة الكذوب إنَّما يكذب لمهانة نفسه عليه )) [5] . وقالوا في معنى (مَهِيْن) ضعيف الرأي والعقل [6] ، وقالوا: (مهين) حقير من المهانة، وهي قلَّة الرأي والتمييز، فالحلاف حقير الرأي [7]
وقد قرن الله تعالى (الحلاف) بصفة المهين (( لأنَّ الحلاف هو كثير الحلف ... وإنَّما يُكْثر الرجل ذلك في خبره إذا احْتَاج أن يُصدَّق ويُوثَق بخبره، ومن كان كثير الحلف كان كثير الكذب في العهد محتاجًا إلى الناس فهو من أذلِّ الناس(حلاف مَهِيْن) حلاف في أقواله مَهِيْن في أفعاله )) [8] وتعالى الله، جلَّ جلاله، عن كلِّ ذلك علوًا كبيرًا.
جاء في فتح الباري (( قول إبراهيم في آخر حديث ابْن مسعود, كانوا يضربوننا على الشهادة. أي قول الرجل أشهد بالله ما كان إلا كذا على معنى الحلف فكُره ذلك كما كره الإكثار من الحلف ) ) [9] . وهذا يعني أنَّ الإكثار من الحلف والإلحاح في القسم أسلوب
(1) التوبة: 95 - 96
(2) القلم: 10
(3) ينظر تفسير الصنعاني (3/ 307) ، تفسير الواحدي (2/ 1120) ، الدر المنثور (8/ 240)
(4) ينظر تفسير القرطبي (18/ 223) ، تفسير ابن كثير (4/ 401)
(5) تفسير الطبري (29/ 22)
(6) ينظر تفسير الثعالبي (4/ 326)
(7) ينظر تفسير القرطبي (18/ 223) ، تفسير النسفي (4/ 268) ، تفسير البيضاوي (3/ 307) ، تفسير أبي السعود (9/ 20) ، روح المعاني (29/ 27)
(8) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير (16/ 66)
(9) فتح الباري (5/ 191)